بتاريخ : 6 فبراير، 2026 - 3:29 م
الزيارات : 52
تحليل / أحمد يوسف التاي
(1)
بقراءة فاحصة لما بين سطور المشهد السوداني على صعيديه السياسي والعسكري، وفقًا للمعطيات الراهنة محليًا وإقليميًا ودوليًا ، تتراءى في الأفق القريب عدة سيناريوهات محتملة، يمكن قراءتها بأكثر من زاوية.. المعطيات الراهنة تشير إلى أن الدولة السودانية الآن تتشكل وتتخلق بأسس جديدة تجعلها أمام ثلاث سيناريوهات محتملة : إما أن تتحول إلى دولة مؤسسات وتؤسس لحكم مدني ديمقراطي يتم فيه الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويُعلى فيه شأن الحريات و حقوق الإنسان ، وسيادة القانون والحكم الرشيد المراقب بأجهزة ومؤسسات حقيقية بما فيها الإعلام الحُر الذي يراقب الأداء الحكومي ويكشف مواطن الخلل وبؤر الفساد ويسوقها إلى حيث القضاء العادل.
أو أن تُؤسس الحقبة المقبلة على أرضية دولة بوليسية شمولية قابضة تختلط فيها السلطات وتتضارب الصلاحيات، وتتحول السلطة إلى سلطة مطلقة في يد حاكم دكتاتوري ، تحمي الفساد وتشتري الولاءات والذمم وتكرس لحماية النظام عوضا عن حماية الشعب والبلاد، وبذلك تكون قادرة على إنتاج الأزمات والكوارث المتكررة.
أو السيناريو الثالث وهو الأسوأ على الإطلاق ، وهو سيناريو الإنزلاق والفوضى وتمزيق البلاد وتقسيمها إلى كانتونات ومناطق نفوذ بين الفصائل العسكرية والميليشيات المسلحة، وبالتالي إنهيار الدولة الموحدة،..
(2)
لكن دعونا أولا نقرأ المعطيات التي تعزز حدوث أيٍّ من الفرضيات الثلاثة عاليه..
أولًا : سيناريو الإنتقال السلس للحكم المدني الديمقراطي:
هذا السيناريو هو خيار الأغلبية لما ينطوي عليه من إستقرار وتعزيز للأمن والتنمية، والتطور الطبيعي للحكم والدولة، غير أن هذا الخيار يواجه عقبات وصعوبات في راهن الوقت تتمثل في النقاط التالية:
1/ إستمرار الحرب.
2/الطموحات الشخصية لبعض قادة المؤسسة العسكرية، وتطلعها إلى الحكم.
3/ تحركات القوى السياسية الشمولية المعادية للإنتقال المدني، ومحاولاتها المستمرة لقطع أي طريق يفضي إلى الحكم المدني الديمقراطي.
4/ضعف وتشظي القوى المدنية التي تتبنى الانتقال والتحول الديمقراطي، وافتقارها للمبادي الديمقرطية.
وفي مقابل تلك الصعوبات والعقبات هناك مؤشرات جيدة تفتح باب الأمل في أن تجعل تحقيق هذا السيناريو ممكنًا ويمكن تلخيص هذه المؤشرات المواتية في الآتي:
1-استمرار القوى المدنية في تبني الدعوة لوقف الحرب ومقتها وفضح فظائها كموقف استراتجي حقيقي وليس تاكتيكيًا مرحليًا، إلى جانب الاستمرار في نبذ العنف.
2- الاستمرار في تبني خطاب سياسي إعلامي متوازن غير متناقض يعزز الدعوة لوقف الحرب وتهيئة مناخ الانتقال الديمقراطي والاستقرار، ويتسق مع شعار الثورة(حرية سلام عدالة) وصولًا إلى خطط ومواقف استراتيجية تنبني عليها البرامج وأسس ومعايير الحكم.
3- الخطاب السياسي الاعلامي الحالي للقوى المدنية الذي سبقت الإشارة إليه خلق لها أرضية مشتركة مع توجه المجتمع الدولي الداعي لوقف الحرب والمتعاطي مع الأزمة الإنسانية، مما اتاح لها مساحة للحركة والقبول لدى المجتمع الدولي والعالم الحر..كما ان الخطاب نفسه وجد قبولا خارجيا لدى الفاعلين الدوليين والقوى المؤثرة عالميا.
4- تبني القوى المدنية خطابا خاصا يُعنى بالجانب الإنساني أدى إلى تسويق هذه القوى لدى العالم الخارجي المنشغل بالازمة الإنسانية، على أنها القوى المؤهلة أخلاقيا للحكم او هكذا تبدو الصورة للخارج ، خاصة في وجود اطراف متحاربة لها ضحايا مدنيين بصورة أو أخرى.
5- فك القوى المدنية إرتباطها بقوات الدعم السريع بعد انقسامها إلى قسمين، الأول “تأسيس” التي كشفت عن وجهها الحقيقي وانحازت تماما للدعم السريع وتبنت توجهاته كليا، والقسم الثاني “صمود” وهو الاوسع والأشمل والذي يحظى بقبول كبير خارجيًا، وهو التيار الداعم لوقف الحرب والسلام والحكم المدني الديمقراطي.
6- تبني تحالف “صمود” خطا إعلاميا لايتردد في إدانة جرائم الدعم السريع ، ولا شك أن تكثيف الطرق على هذا الخط في الآونة الآخيرة عمل على تحسين الصورة القاتمة التي روج لها خصومه السياسيين في بداية الحرب..
إذن كل تلك المؤشرات تصب في معين السيناريو الأول الذي أشرنا إليه، وتمثل ظروفا مواتية لدعم حدوث هذا السيناريو.
(3)
ثانيًا: السيناريو الثاني وهو التكريس للدولة الشمولية ، واستمرار الحكم العسكري:
هذا السيناريو تواجهه عقبات ستحِدُ من فاعليته وتقلل من حدوثه ، مثلما ان هناك ظروف مواتية له تعمل على تعزيزه وتدعم حدوثه:
أما الظروف المضادة التي تقلل من فرضية حدوثه تتمثل في الآتي :
أ – كل الظروف المحيطة عالميا وإقليميا ومحليا لا تدعم ولاتشجع الحكم العسكري بل تفرض عليه عزلة تامة، باعتبار ان الجيوش لم تخلق للحكم بل للحماية والدفاع .
ب -أي محاولات للإلتفاف والاستمرار في حكم البلاد عسكريا يعني ذلك المزيد من المعارضات المدنية وانفجار المظاهرات مجددا والمزيد من الضحايا المدنيين.
ج -الحكم العسكري مهما استمر بسبب الظروف الأمنية الاستثنائية فإنه إلى زوال ونهاية، فهو وضع مؤقت لا يؤسس عليه مستقبل.
د – الحكم العسكري في كل الأحوال ضد التطور الطبيعي في مسيرة الحكم وإدارة شئون الدولة التي تتطلب قواعد وأساسيات مدنية، وإن انعدمت في الوقت الراهن فإن الحاجة إليها تلح على تأسيسها ولو من الصفر.
وأما الظروف المواتية للحكم العسكري فتتمثل في:
– استمرار حالة عدم الاستقرار وزعزعة الأمن.
– استمرار الحرب والمهددات الأمنية والأطماع الدولية على الحدود.
– استمرار حالة الهشاشة السياسية، والأمنية وضعف الأحزاب وانقسامها وتشرذمها.
– انفجار الصراعات السياسية والتنازع على كراسي السلطة.(4)
السيناريو الثالث الإنزلاق وتمزق البلاد وانهيار الدولة:
وهو الأسوأ على الإطلاق..وبالطبع هناك عدة أسباب ومؤشرات تعزز فرضية حدوثه تبدو على النحو التالي:
1-التساهل مع الفوضى الأمنية ، وتعدد الجيوش والفصائل المنفلته، مع انتشار السلاح بلا رقيب او ضوابط.
2- استمرار الحرب مع استمرار تدفق الأسلحة من الخارج لتغذية الصراع بعيدا عن سلطان الدولة.
3- التساهل في عمليات ضبط الوجود الأجنبي، والتقاعس عن رصد تحركاته.
4- استمرار الغفلة والاسترخاء الأمني.
5- تغلغل الجواسيس والمخبرين في اجهزة الدولة لضربها في مواضع حساسة للغاية لاتفيق منها إلا بعد (خراب سوبا) ووقوع المحظور.
الخلاصة:
بعد أن استعرضنا السيناريوهات الثلاثة، والظروف المواتية لكل واحد منها، والصعوبات التي تعتري طريق كل واحد منها، يمكن القول أن السودانيين الآن وبعد أن ذاقوا ويلات الحرب والتشرد وتدمير الببنيات التحتية للدولة وخطر التدخلات الخارجية، وشبح إنهيار الدولة ، أمامهم ان يختاروا لأنفسهم واحدة من الخيارات الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها: إما استقرار وتنمية وحكم رشيد في دولة تحترم كرامة الإنسان وتُعلي شأن الحريات، أو حكم شمولي يعيد إنتاج الأزمات والكوارث، أو
(تمزق وانهيار شامل للدولة)، وهو السيناريو الأسوأ على الإطلاق..
إرسال تعليق