وقفات في محطة الإذاعة

  • بتاريخ : 14 فبراير، 2026 - 8:59 م
  • الزيارات : 17
  • بقلم/ د. خالد صالح
    بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للإذاعة الذي وافق يوم الجمعة ١٣ فبراير الجاري تحت شعار الذكاء الصناعي أداة وليس صوت ، جدير بنا أن نتوقف قليلا في محطة الإذاعة ، باعتبارها أخطر وسائل الإعلام التقليدية ، التي لعبت دورا مهما في حياة المجتمعات والشعوب.
    وعندما نقول وسائل الإعلام التقليدية ، فإننا نعني بالطبع الإذاعة والتليفزيون والصحف ووكالات الأنباء الوطنية والعالمية ، تلك الوسائل الإعلامية لعبت دوراً كبيراً في الوعي والتنوير والتنمية والترفيه والتعليم وقيادة الرأي العام ، قبل أن تطل وسائل الإعلام الجديد من خلال ظهور الهواتف الذكية بتطبيقاتها المتنوعة والمثيرة، والتي بدأت في سحب البساط بنعومة ورشاقة من وسائل الإعلام التقليدية ، وأخذت تتسيد الساحة وتأتيك بالخبر طازجا بالصورة والصوت ، بل أصبحت التطبيقات بديلا للإعلاميين والصحفيين ، إذ أنه بإمكان أي ناشط أن يسبر غور هوايته الإعلامية بنشر الأخبار والآراء والتعليقات والمقالات حول كافة المسائل دون أن يكون مقيدا بالميثاق الصحفي أو سياسات التحرير ، التي تحكم عمل المؤسسات الإعلامية التقليدية.
    ولأن العالم يحتفل باليوم العالمي للإذاعة ، فحري بنا أن نذكر أن الإذاعة أخطر وسائل الإعلام التقليدية قاطبة ، ولذلك لسببين الأول ميزاتها والثاني جمهورها، الإذاعة تتميز بأنها بسيطة في ناحية التشغيل ولا تحتاج لتعقيدات فنية كتلك الموجودة في التلفزيون مثلاً ، من غرفة صغيرة وعبر أجهزة بسيطة يمكنك أن تبث لكل العالم ، ويسمعك الكثيرون ، وهنا أيضاً يمكن سر من أسرار الإذاعة، التي أيضاً لا تحتاج لتعقيدات من قبل المتلقين لسماعها ، إذ عبر أجهزة الراديو مختلفة الأحجام يمكن إستقبال موجات المحطات الإذاعية وعبر أجهزة صغيرة كما في حال الراديو الترانزستور ، ويمكنك أيضاً إستقبال البث في أي الأوضاع التي تعيشها ماشيا أو قاعدا أو مستلقيا، فالراديو عند مقارنته مع التلفزيون نجد أنه الأكثر سهولة وبساطة في التركيز وفي الإستقبال أيضاً .
    هناك ميزة أخري للراديو أو الإذاعة كانت علي الدوام مثار نقاش الباحثين ، وهي جمهور الإذاعة ، إذ أهم ما يميز هذا الجمهور أنه جمهور عريض ومتنوع ومتباين ، فيه الصغير والكبير ، الرجل والمرأة، الأمي والمستنير ، الموظف والعامل البسيط.
    جمهور الإذاعة لا يتطلب أن تتوفر فيه ميزات خاصة مثل القدرة على القراءة مثلاً ، فأنت لا يمكنك التعامل مع الصحيفة إلا إذ كنت قادر على القراءة ، لكن مستمعي الراديو فيهم الكثيرون الذين لم يتلقوا أي تعليم في حياتهم ، وللمفارقة كانت الإذاعة وسيلتهم في التعلم ، وبفضلها امتلكوا معلومات حول مختلف الموضوعات ينافسون بها المتعلمين.
    متابعة الإذاعة أيضا شيقة ولا تكون حاجزاً بينك وبين أداء مهامك اليومية كما في مطالعة الصحف أو متابعة التلفاز ، يمكن للمستمع أن يعمل في الحقل ويتابع برامج الإذاعة، ولذلك كانت الإذاعة الوسيلة المفضلة لربات البيوت والسائقين والترزية والبناءون والرعاة والمزارعين وغيرهم من الفئات المنتجة.
    في بلادنا لعبت الإذاعة القومية ادورا متعاظمة في القضايا الوطنية والتنموية والتثقيفية والترفيهية، بشكل جعلها أهم أدوات التغيير ودائما ما نجد أن السيطرة على الإذاعة من أولي أولويات هواة الإنقلابات والتغيير السياسي.
    لكنني في خاتمة هذا المقال الموجز عن فضل الإذاعة وامتيازها، وكرأي شخصي أعتقد أن أفضل دور قامت به الإذاعة السودانية في تاريخها الطويل المشرف ، هو توحيدها لوجدان السودانيين ودعمها لمشروع الهوية واللحمة الوطنية، ثمة برامج عدة أرست لهذا الإتجاه ، وثمة أدوات استخدمت لتوحيد الوجدان ، خاصة إستخدام الأغاني والموروث الثقافي والمأثورات الشعبية والتراثية ، تلك الآليات التي ردمت الهوة بين جهات السودان المختلفة وجعلت من إيقاعات الجراري والمردوم والهسيس والكلش والسيرة والطمبور ليست مجرد إيقاعات مناطقية وإنما مؤشرات وايماءات للهوية السودانية الجامعة ، بذات القدر الذي جعلت فيه من أندية الهلال والمريخ ، ليست مجرد أندية أمدرمانية عاصمية بل أندية ترمز للجمعية الوطنية.
    هذا يعني أن ما قامت به الإذاعة السودانية من دور وطني يتفوق كثيرا علي المؤسسات الرسمية والسياسية والأحزاب ولو أن الإذاعة القومية تبنت خطاب الكراهية يوماً ما ولو بالصدفة، لحصل لنا أسوأ ما حصل في رواندا من إبادة جماعية.
    التحية للإذاعة القومية وللاذاعيين على امتداد بلادنا ، والعالم يحتفل باليوم العالمي للإذاعة.