نحن نعيش في غفلة… والسودان ليس صدفة

  • بتاريخ : 27 فبراير، 2026 - 10:40 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم/ د. رناد أبو كشوة

    “مدير مركز ابو كشوة لتطوير الزراعة- باحثة”

    في لحظات كثيرة…
    لما أشوف العالم حولي،
    وأشوف كم الفرص المهدورة في السودان،
    وكم الإمكانات المدفونة تحت أقدامنا،
    يتملكني إحساس صعب.

    غضب.
    حسرة.
    رغبة أن أمسك أي سوداني من يده وأقول له:
    انتبه… نحن نضيع كنزًا حقيقيًا.

    اخترت أن أركز على الزراعة.
    ليس لأنها مجرد مهنة.
    بل لأنها أصل الحياة.

    كل هذا العالم…
    كل الحروب،
    كل الصراعات،
    كل الاقتصاد،
    كل السياسات…

    في النهاية تدور حول شيء واحد:
    الغذاء.

    والغذاء في أصله نبات.
    حتى الحيوان الذي نأكله…
    يتغذى على زرع.

    السودان ليس دولة عادية.
    السودان واحد من أكثر ثلاثة أراضي خصوبة على وجه الأرض.
    أرض تصلح للزراعة طوال العام.
    نهر النيل وروافده تمر فيه.
    مياه عذبة وبركة لا تُقدّر بثمن.

    والعجيب؟
    العالم كله يعرف قيمة أرضنا… إلا نحن.

    سنوياً تخرج منح بملايين الدولارات من منظمات أجنبية
    لتأسيس مشاريع زراعية داخل السودان.
    دول تستثمر في أرضنا.
    تزرع.
    تنتج.
    وتصدر.

    والسؤال المؤلم:
    ما الفرق بيننا وبينهم؟

    هل لديهم أكثر من عقل؟
    هل وزن عقولهم أثقل من عقولنا؟
    أم أنهم فقط أدركوا ما نملكه قبل أن ندركه نحن؟

    نرمي اللوم على الحكومات.
    على الظروف.
    على المؤامرات.

    لكن يوم القيامة…
    هل سينفعنا أن نقول:
    الشيطان أغواني؟
    الظروف منعتني؟
    البلد خذلتني؟

    وجودك في السودان ليس صدفة.

    هذه الأرض أمانة.
    وهذا النهر أمانة.
    وهذه الخصوبة أمانة.

    نحن نعيش في غفلة كبيرة…
    لكن الغضب وحده لا يبني وطناً.

    لذلك اخترت طريقًا آخر.

    ليس الصراخ.
    ليس الجدل.
    ليس الشكوى.

    العمل.

    في أبوكشوة…
    نحن لا نحاول إنقاذ العالم.
    نحن نحاول بناء وعي زراعي.
    قشة قشة.
    مزارع مزارع.
    موسم موسم.

    نبني أساسًا قويًا.
    لأن البناء الحقيقي لا يقوم فوق فراغ.

    أنا لا أريد أن أغيّر كل الناس.
    بل أريد أن أكون نموذجًا.
    أريد أن أزرع قيمة.
    أريد أن أُذكّر الناس أن ثروتنا ليست في الشعارات…
    بل في التربة.

    الغضب الذي أشعر به
    لم أسمح له أن يحرقني.
    حوّلته إلى مشروع.

    لأن السودان لا يحتاج ضجيجًا جديدًا.
    يحتاج عملاً صامتًا… عميقًا… مستمرًا.

    وإذا لم نبدأ نحن…
    فسيبدأ غيرنا.

    والفرق بين من يملك الأرض
    ومن يملك وعي الأرض…
    هو الفرق بين المستهلك والمنتج.

    السودان ليس أرضًا مهملة.
    السودان رسالة.

    والرسالة لا تصرخ…
    الرسالة تُزرع بهدوء.

    د. رناد أبوكشوة 🌱