بقلم / أيوب صديق
“خبير إعلامي – مذيع B.B.C الأسبق”
هذا هو الجزء الثاني من وقفتي مع مزاعم ذلك السويسري المُختص في السودان القديم، التي تناولها الأستاذ إسحق أحمد فضل الله في بابه( مع إسحق) في الصفحة الأخيرة من صحيفة ألوان، ليوم الأحد 25 يناير 2026).
أنتهى حديثي السابق عند نفي سودانية رسول الله موسى عليه الصلاة والسلام, واليوم أواصل الحديث عن مزاعم الخبير السويسري، التي أوردها الأستاذ إسحق في بابه ذاك
حيث قائل :” سفيرنا في فرنسا قال اتصل بي باحث يطلب زيارة البركل ورغم أنه لا توجد فنادق فانه مكث أربعين يوما. بعدها قال لي أنا جئت إلى هنا بأمر من كبير الخامات، قال والرجل يبكي ويبكي وعند السؤال قال تأكدت من أن هذا المكان هو الذي كلم الله فيه موسى), ذلك ما كان من كلام ذلك السفير السوداني، عن ذلك الباحث الذي قال إنه تأكد من أن جبل البركل هو المكان الذي كلم الله فيه موسى. أقفُ هنا وقبل ما أمضي في تفنيد حُجج هذا الرجل المُرسلِ من كبيرِ حاخاماتهم حسب قوله. تقول دلائل التاريخ وشهادة نصوص القرآن إن الجبل الذي كلم الله تعالى فيه موسى هو جبل الطور في سيناء وذلك وفق الدلائل التا لية:
خرج موسى من مصر خائفـًا من فرعون واتجه شرقـًا عبر صحراء سيناء حتى انتهى به المسيرُ إلى ماء مدين،أي البئر التي يستقي منها الناس هناك. ومدين كما تقول الروايات هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة( قوم رسول الله شعيب) وهي الآن موجودةٌ أطلالاَ وآثارا، وتعرف الآن بـ(مدائن شعيب) وهي شرق خليج العقبة، في شمال غربي المملكة العربية السعودية، بالقرب من مدينة البدع التابعةِ لمنطقة تبوك، وتبعد حوالي 170 كم عن مدينة تبوك، وهي تقابل شبه جزيرة سيناء المصرية من الجهة الشرقية للبحر الأحمر.
وكما يحدثنا القرآن أن موسى عندما وصل ماء مدين، وجد عنده عددًا من الرعاء يسقون مواشيهم، وهناك امرأتان تذودان مواشيهما عن الماء، حتى يسقي الرعاء وينصرفوا، لأنهما لا تقويان على منافستهم. كما في قول الله تعالى: ( وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ) [القصص: 23] فتولى موسى أمر مساعدتهما فسقى لهما مواشيهما، وفي ذلك يقول القرآن: (“فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّی لِمَاۤ أَنزَلۡتَ إِلَیَّ مِنۡ خَیۡرࣲ فَقِیرࣱ). وأبوهما كما تقول الأخبار هو نبي الله شعيب، كما قيل في اغلب الروايات، بدليل تسمية تلك المنطقة باسمه. وعندما عادتا فأخبرتا أباهما بخبر الرجل القوي الأمين الذي ساعدهما. فجاءته إحداهما لتخبره بدعوة أبيها له لمقابلته ليعطيه أجر عمله. فذهب إليه، وقص عليه قصته. فطمأنه بأنه نجا من القوم الظالمين، أي فرعون وملئه، وقال له كما في القرآن:( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) القصص.
ولما وفى موسى الَأجلَ الذي انكحه بمقتضاه شعيبٌ ابنتَه، حيث أكمل العشرَ السنين، خرج بزوجته وابنيه من مدين عائدين إلى مصر، في ليلة باردة ومظلمة، فاتجه غربًا إلى شبه جزيرة سيناء، حيث رأى ناراً من ناحية الطور أي جبل الطول. يقول الله تعالى ( فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) القصص: 29]. ويبدو من السياق أن المسافة من مكانهم الذي كانوا فيه لم تكن بعيدة من الطور، حيث طلب منهم الانتظار، لعله يأتيهم من النار بشيء منها يتدفؤون به أو يجد عليها شيئا يهتدي به. فمضى صوب النار(﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [ القصص: 30]
وبناءً على النصوص القرآنيّة والتفاسير، رأى موسى -عليه السلام- النار في وادٍ مقدس يقع أسفل الجبل أو بجواره، وتحديداً في بقعة تُعرف بـ”الوادي المقدس طوى” في سيناء. وأجمعت الروايات على أن الشجرة والنار كانتا في مكان منخفض(الوادي) وليستا فوق قمة الجبل مباشرة.
وعلى الجبل وهو(الطورُ) أي طورُ سيناء، تلقى موسى من ربه التوراة. وأبرز ما تلقاه موسى عليه السلام الألواح. فقد ذكر القرآن الكريم أن الله كتب لموسى في الألواح من كل شيء، موعظة وتفصيلاً لكل شيء، وهي الشريعة التي سار عليها بنو إسرائيل. وقال الله تعالى:(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ. (سورة الأعراف 145 )
إن اسم جبل الطور قديمٌ معروف، والطورُ في اللغة عمومًا هو الجبلُ الذي عليه شجر، وهذا الجبل شرفه الله بذكره في قرآنه الكريم بطور سينين، ويعني جبل الطور الموجود في سيناء، وسينين إسمٌ يعني سيناء كذلك، كما يعني سينين كذلك معنى المبارك. مباركٌ لأنه الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وانزل عليه فيه التوراة. وكل ذلك في صحراء سيناء وليس في صحراء (العتمور) أو (صحراء بيوضة) في السودان. وفي جبل الطور، وليس في جبل البركل كما يدعي ذلك الباحثُ السويسري، أو جبل مرة كما يدعي أخونا الدارفوري.
ولوكان كان لله تعالى كلم موسى على جبل البركل أو على جبل مرة، لورد شيءٌ من ذكر دلك في القرآن الكريم. ولكن لم تكن لأي من الجبلين تلك المكانة المقدسة، إلا في ذهن ذلك السويسري، أو في ذهن ذلك السوداني الدارفوري، الذي لم يكتف بذلك، بل جعل جبل مرة وما حوله منبت الرسالات كلها، لطالما أن أبا الأنبياء إبراهيم كان رجلاً مثلهم يلبس جلبابا ناصع البياض ويعتمر عمامة بيضاء وينتعل مركوبا فاشريا.
(يبتع إن شاء الله)










إرسال تعليق