بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم
يتطلب الوضع الاقتصادي الراهن، الذي تراكمت فيه اختلالات هيكليه وسياسات تاريخية وتعقد بفعل الحرب الدائرة، تشخيصاً عميقاً لما يمكن وصفه بمرض مزمن في البنية الاقتصادية والتشريعية والممارسة العملية، حتى لا نظل أسرى لما سماه الدكتور منصور خالد (إدمان الفشل). فالإشكالية لا تقتصر على تكرار سياسات وأدوات ثبت قصورها، بل تمتد إلى أن بعضها أسهم أصلاً في إنتاج الأزمات الاقتصادية، نتيجة ضعف الاتساق بين السياسات، وغياب الرؤية طويلة المدى، وتداخل المصالح بين الفاعلين في الدولة والسوق. كما أن الاعتماد على معالجات قصيرة الأجل، دون معالجة الجذور الهيكلية، أدى إلى ترحيل الأزمات بدلاً من حلها.
وتبقى الأسئلة الجوهرية مفتوحة: كيف يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة؟ وكيف ننتقل من النقد، بما فيه من تعصب فكري وأيديولوجي، إلى التوافق والعمل المشترك لتحقيق تغيير بنيوي حقيقي؟ إن التحدي لا يكمن فقط في صياغة سياسات بديلة، بل في بناء توافق وطني حول أولويات الإصلاح، وتحديد أدوار واضحة لكل من الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. وهل يمكن إحداث إصلاحات تتجاوز الأدوات التقليدية نحو إعادة بناء المنظومة الاقتصادية، أم أن الأمر يتطلب تحولا أعمق يشمل إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز استقلالية وكفاءة المؤسسات، وإعادة صياغة ثقافة الممارسة الاقتصادية بما يعزز الإنتاجية والمساءلة والشفافية؟ وكيف يمكن تبني إصلاحات غير تقليدية، مع استعداد جميع الأطراف لتحمّل كلفتها، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، في ظل محدودية الموارد وارتفاع التوقعات؟
إن البداية تكمن في الاعتراف بجذور الأزمة دون تبرير أو إنكار، يتبعها تبني نهج إصلاحي واقعي ومتدرج، يوازن بين الاستجابة العاجلة للأزمات وبناء أسس طويلة المدى. ويتطلب ذلك إصلاح منظومة الحوكمة عبر تعزيز الشفافية والمساءلة، وتطوير نظم المتابعة والتقييم، وربط السياسات الاقتصادية بمحددات الاقتصاد السياسي من حيث الحوافز والمصالح. كما يستدعي الأمر الاستثمار في بناء القدرات المؤسسية والبشرية، وتبني سياسات قائمة على الأدلة، مع إتاحة مساحة للابتكار والتجريب المنضبط في تصميم الحلول.
كما أن استدامة الإصلاحات تظل مرهونة بمدى قدرتها على الصمود أمام التغيرات السياسية والاقتصادية، وهو ما يتطلب تحصينها بإطار مؤسسي وتشريعي قوي، وضمان مشاركة مجتمعية واسعة تعزز ملكيتها وتدعم استمراريتها. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بقرارات فوقية فقط، بل عبر عملية تراكمية تشاركية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتخلق بيئة مواتية للنمو والاستقرار.
أضع هذه التساؤلات للنقاش، انطلاقا من تجربة تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً في متابعة وتحليل قضايا الاقتصاد السوداني بحكم تخصصي، مع إدراك أن ما يُطرح هنا لا يمثل إجابات بقدر ما هو دعوة لفتح مسار جاد للحوار والإصلاح.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم .









إرسال تعليق