بقلم /د.عثمان أبو زيد
استاذ الإعلام بالجامعات السعودية
بعث إلينا أحد الأصدقاء في الولاية الشمالية يطلب التعليق على أحداث دلقو، فكان ردي له: أنتم أقرب إلى الحدث، ودعنا نسمع منكم.
الحقيقة حسب متابعتي واطلاعي، وجد رفض ما سُمِّي بـ (توطين النازحين) تأييدا أشبه بالإجماع من أهل المنطقة، وهذا ما عبر عنه اتحاد شياخات المحس بتلك المذكرة الوازنة والموضوعية. وجاءت معالجة للحدث تتزن أيضا بالحكمة والنضج في البيان المشترك للجنة أمن محلية دلقو وممثلي تنسيقية حكومة إقليم دارفور بالولاية وأعيان من المحلية. البيان وصف نقل نازحين من كردفان ودارفور إلى دلقو بأنه (إيواء).
وكثير مما وقفنا عليها من سجالات ومجادلات لا طائل ولا نتيجة من ورائها غير إثارة البغضاء ونشر البلبلة.
وقد نجد وسط حوارات القروبات آراء سديدة يجدر الاستناد إليها ترشيدا لوعينا الوطني وتعزيزًا لوحدتنا الوطنية، وهذا ما ينبغي أن تتوجه إليه الجهود في هذا الظرف العصيب من تاريخ بلادنا.
قرأت لأحد من تولى منصب الوالي في الولاية الشمالية رأيه في أن المنطقة النوبية ظلت بمثابة بوتقة انصهار، فهنالك بيوت وصلت قبل أقل من قرن لغتها العربية، تعلم منهم الناس تربية الماشية، وهم امتهنوا الزراعة حرفة أهل المنطقة، بل (رطنوا وتشلخوا) وتصاهروا بعد عزوف، والآن لا تكاد تميزهم.
رأيت في مذكرات آخر مدير لمديرية حلفا قبل التهجير تقسيمه للأعراق في وادي حلفا التي ضمت من سماهم بالنوبيين الأتراك والنوبيين العرب إلى جانب النوبيين الأصليين، ولا ننسى المجراب الذين يعود أصلهم إلى المجر. والمنطقة باعتبارها طريق وصل للغازين أو الغائرين، تعد منطقة غنية بالتنوع الديمغرافي الذي نتج عن التفاعل الطبيعي بين الأعراق المختلفة.
كنت قابلت في مطار إنجمينا عام 2005 باحثا أطلعني على كتاب له عن الفلاتة في السودان، ودلَّني على عشائر منهم، انصهروا تمامًا في المجتمع النوبي حتى لا تستطيع التمييز بينهم وبين باقي الأهل.
لما كنت في الولاية، مسؤولا سياسيا على محافظة وادي حلفا في بعض الأوقات، وقفت على خطة إسكانية منحت لمواطنين، وكثير منهم باع حصته لقادمين من مناطق أخرى، حتى كاد يغلب على حي من الأحياء سمة قبلية معينة، وهذا شيء طبيعي.
ولما جاءني ذات مرة مسؤول المشاريع بمنظمة الدعوة الإسلامية المهندس بدر الزمان عمر (شفاه الله) وكان مبعوثًا لبناء مدارس ومساجد في الولاية، وجَّهتُ بتخصيصها لأحياء النازحين، وأتممنا ذلك بالفعل.
هذا إذا نظرنا إلى الموضوع نظرة شاملة وطنية وحضارية، لكن ما يزعج حقًا هو أن خطوات الإيواء أو التوطين، لا يأتي هذه المرة تلقائيًا وطبيعيًا، فالمواطنون يقولون إن آلاف المعدّنين استوعبتهم المنطقة وكذلك النازحين بعد الحرب من شتى أنحاء السودان، ولم يكن هناك من بأس في استقبالهم ومعايشتهم، غير أن الخطوة الحالية تأتي على غرار معسكرات النازحين في دارفور التي تحولت عبر السنين إلى مناطق إسكانية، ولا يخلو بعضها من الاستشكالات الناشئة عن المسارات السياسية بل قل الأطماع السياسية.
ثمة رأيٌ قانوني مسدد وصل إلينا أيضا يعلق على أحداث دلقو وهو من قاضي محكمة عليا سابق يقول: أراضي الشمالية الجروف والسواقي كلها مسجلة بأسماء ملاكها ملكية عين، والأراضي التي أعلى أراضي السواقي وهي أراضي التروس امتداد للسواقي بعرف (حق القصاد). وفي رأيي أن إسكان عدد كبير من النازحين في هذه الأراضي قد يكون تعديا على أراضي المُلاك. وأنا لست محرضا ولكن إذا صدر قرار إداري من الوالي بإسكان المجموعة الكبيرة على أراضي الملاك؛ فعلى أصحابها اللجوء إلى القضاء برفع دعوى طعن إداري والقضاء يقول كلمته. هذا رأي أسوقه حتى نحفظ للناس أراضيهم التي ورثوها كابرا عن كابر منذ أن تم تسجيل أراضيهم بواسطة الإنجليز عام 1921، وأدى هذا النظام إلى تنظيم أنماط الملكية حتى في الجزر الناشئة من ترسب الطمي.
لم نشأ الإشارة إلى أصحاب هذه الآراء النيرة، لأننا لم نستأذنها، وحسبنا الإحاطة بما قالوا، وهذا هو المطلوب. والله ولي التوفيق والإعانة.
عثمان أبوزيد ـ مكة المكرمة ـ الجمعة 10 أبريل 2026









إرسال تعليق