حين يتحول السلام إلى أداة صراع: قراءة في الخطاب السوداني بعد الهدنة الأمريكية–الإيرانية”

  • بتاريخ : 8 أبريل، 2026 - 8:39 م
  • الزيارات : 8
  • حوارات حول الأفكار..(209)
    بقلم / الدكتور حيدر معتصم
    مدير مركز الخرطوم للحوار..

    في اللحظات التي يُفترض أن يتنفس فيها العالم الصعداء، بعد إعلان هدنة بين قوى كبرى، تنكشف مفارقات عميقة في الوعي السياسي لدى بعض النخب السياسية السودانية المدعومة من للإمارات بغرض توظيف اللحظة لصالح المشروع الإقليمي في السودان.
    فبدلاً من قراءة الحدث في سياقه الدولي، يُعاد توظيفه محليًا بطريقة تكشف ليس فقط عن ضعف التحليل، بل عن خلل بنيوي في فهم طبيعة الصراعات
    هذا ما حدث في الحالة السودانية، حين اندفعت بعض الأصوات إلى ملء الفضاء الإعلامي تحت شعار “لا للحرب”، مستندين إلى مقارنة بين هدنة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، وبين الصراع الدائر داخل السودان، لكن هذه المقارنة، في جوهرها، ليست بريئة… بل كاشفة :
    أولاً: بين صراع الدول وصراع الدولة.
    الخلل الأول في هذا الخطاب يكمن في تسوية غير منطقية بين نوعين مختلفين من الصراعات:
    صراع بين دولتين مستقلتين
    وصراع داخل الدولة بين مؤسسة سيادية وقوة مسلحة خارج الإطار الرسمي.
    في الحالة الأولى، يكون وقف الحرب هدفًا بحد ذاته، لأنه يمنع انفجارًا إقليميًا أو دوليا، أما في الحالة الثانية، فإن وقف الحرب دون معالجة جذورها قد يعني ببساطة تثبيت واقع الانقسام المسلح داخل الدولة.
    وهنا يتحول “السلام” من قيمة إنسانية إلى آلية لتجميد الأزمة.
    ثانياً: “لا للحرب”… الشعار الذي يخفي ما لا يُقال.

    لا يمكن لأي ضمير حي أن يرفض شعار “لا للحرب”لكن الإشكال لا يكمن في الشعار، بل في ما يتم إسقاطه من خلفه.
    حين يُطرح هذا الشعار دون إجابات واضحة عن:

    كيف سيتم توحيد السلاح؟

    من يضمن عدم تجدد القتال؟

    ما هو شكل الدولة بعد وقف النار؟
    فإننا لا نكون أمام مشروع سلام، بل أمام خطاب عاطفي منزوع من شروط الواقع، وهنا يصبح الشعار أداة ضغط، لا رؤية حل.
    ثالثاً: سردية “الطرف الذي يريد الحرب”.
    أخطر ما في هذا الخطاب هو محاولته تبسيط الصراع إلى معادلة أخلاقية ساذجة:
    طرف يريد السلام… وطرف يصر على الحرب
    هذه الثنائية مريحة إعلاميًا، لكنها مضللة سياسيًالأن القرارات المتعلقة بوقف إطلاق النار لا تُبنى على النوايا، بل على:

    ميزان القوى على الأرض

    مستوى الثقة بين الأطراف

    وضوح الضمانات السياسية والعسكرية
    وفي غياب هذه العناصر، فإن أي هدنة قد تتحول إلى استراحة تكتيكية لإعادة إنتاج الحرب.

    رابعاً: السلام كأداة لإعادة تشكيل القوة.
    ما لا يُقال صراحة في كثير من هذه الخطابات، هو أن الدعوة لوقف الحرب قد تكون، في بعض الحالات، جزءًا من إعادة ترتيب ميزان القوة، لا إنهاء الصراع
    فحين يتم:

    تجاهل طبيعة التكوين المسلح داخل الدولة

    وتقديم وقف النار كحل نهائي
    دون معالجة مسألة احتكار العنف المشروع
    فإن النتيجة ليست سلامًا، بل إعادة توزيع مؤقت للقوة تحت غطاء إنساني.

    خامسا : البعد الإقليمي… حين تتقاطع الخطابات.

    لا يمكن قراءة هذا الخطاب بمعزل عن السياق الإقليمي، حيث تتداخل:

    المصالح السياسية

    الأجندات الإعلامية

    ومحاولات التأثير في مسارات الصراع
    لكن الخطأ لا يكمن فقط في وجود هذا التأثير، بل في قابلية بعض النخب المحلية لإعادة إنتاجه دون وعي نقدي كافٍ.
    وهنا يصبح الفاعل المحلي جزءًا من شبكة أكبر، حتى وإن ظن أنه يتحرك باستقلالية.

    سادساً: السؤال الغائب… وهو الأهم.
    وسط كل هذا الضجيج، يغيب السؤال الجوهري:

    ما هو شكل الدولة التي نريد بناءها بعد توقف الحرب؟

    هذا السؤال هو الذي يحدد:

    معنى السلام

    وحدود التنازل

    وطبيعة الحل السياسي

    أما تجاوزه، فهو ما يجعل كل حديث عن وقف الحرب مجرد إدارة مؤقتة للأزمة.
    خاتمة: السلام الذي لا يبني دولة… ليس سلاما.
    السلام الحقيقي ليس مجرد توقف للرصاص، بل إعادة تأسيس لعقد الدولة على أسس واضحة:

    احتكار مشروع للقوة

    مؤسسات شرعية

    ورؤية جامعة
    أما السلام الذي يتجاهل هذه الأسس، فهو في أفضل الأحوال هدنة هشة، وفي أسوأها مرحلة انتقالية نحو صراع أكثر تعقيدًا.