حكايتهن… حكايتي: رسائل إلى نساء السودان «3»

  • بتاريخ : 1 فبراير، 2026 - 4:23 م
  • الزيارات : 17
  • بقلم /د. ناهد محمد الحسن

    (طبيبة نفسية، كاتبة صحافية وروائية)

    الرسالة الثالثة من رواندا.. كلنا معا

    بعد الإبادة الجماعية في رواندا، لم يكن السؤال الأول: كيف نعيد بناء الدولة؟

    كان السؤال الأبسط والأقسى: كيف نعيش معًا بعد كل هذا؟

    الدولة كانت منهكة، المجتمع مكسورًا، اللغة نفسها مثقلة بالدم. القرى التي شهدت القتل، لم يكن لديها وقت لتستجمع انفاسها وتشفى وهي تضم القاتل والناجي معًا. لم تكن هناك مساحة للأجوبة الكبيرة، ولا قدرة على تحمّل خطاب سياسي مرتفع السقف. في هذا الفراغ، لم تظهر النخب أولًا. ظهرت النساء.

    لم يخرجن ببرنامج حكم، ولا بوثيقة مصالحة وطنية. خرجن بشيء أكثر تواضعًا، وأكثر اهمية: الرغبة في منع الانهيار الاجتماعي من أن يصبح قدرًا دائمًا.

    في الأنثروبولوجيا، يُقال إن النساء حارسات الاستمرارية.

    لا لأنهن أضعف، بل لأن أجسادهن مرتبطة بالحياة اليومية، بالغذاء، بالرعاية، بالذاكرة الطويلة، لا بلحظة النصر السريع.

    ما فعلته نساء رواندا لم يكن مصالحة بين القتلة والضحايا،

    ولكن وقف انهيار المجتمع.

    في رواندا، لم تبدأ الإبادة الجماعية فجأة في 1994، كما تُروى عادة في الأخبار…بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، حين تآكلت اللغة، حين صارت الهوية سكينًا، وحين قُسِّم الناس في الخيال قبل أن يُقتلوا في الواقع…وفي مئة يوم فقط، قُتل ما يقارب مليون إنسان، أغلبهم بالسواطير، وعلى أيدي جيران، وأقارب، وأصدقاء الأمس…عندما انتهت المجزرة، لم يكن السؤال:

    من انتصر؟

    بل: من بقي حيًا ليحمل هذا الخراب؟

    وكان الجواب صادمًا:

    البلد صار بلد نساء.

    أكثر من 60٪ من السكان بعد الإبادة كنّ نساء.

    نساء فقدن الأزواج، الأبناء، الإخوة.

    نساء تعرّضن لاغتصاب جماعي ممنهج استُخدم كسلاح حرب.

    نساء أصبحن مسؤولات عن بيوت بلا رجال، وأطفال بلا آباء، وذاكرة بلا لغة.

    في علم الاجتماع، تُسمّى هذه اللحظة انهيار البنية الاجتماعية الذكورية.

    حين تختفي السلطة التقليدية للعنف، لا يظهر السلام تلقائيًا، بل يظهر فراغ خطير.

    إما أن يُملأ بانتقام مؤجل، أو يُعاد بناؤه على أسس جديدة.

    هنا تحديدًا دخلت النساء الروانديات إلى التاريخ، لا كضحايا، بل كفاعلات.

    لم يقلن: نحن أطيب…نحن أكثر أخلاقًا.

    قلن ببساطة: لا نستطيع أن نعيش حربًا أخرى.

    بدأ الأمر من حيث لا يتوقع أحد:

    من القرى، من جلسات صمت، من أعمال دفن جماعية، من محاكم شعبية اسمها Gacaca.

    في هذه المحاكم، لم تكن العدالة مثالية، ولم تكن الرحمة سهلة.

    لكن النساء لعبن دورًا حاسمًا:

    كنّ الشاهدات، الحافظات للتفاصيل، الرافضات لتحويل الذاكرة إلى وقود جديد للعنف.

    هكذا وُلد تحالف

    Pro‑Femmes/Twese Hamwe

    النساء لا يحتجن إلى تفويض كي يكنّ فاعلات.

    ولا إلى تنظيم واحد جامع.

    ولا إلى اتفاق كامل.

    يحتجن إلى شبكات.

    شبكات تربط المرأة في المعسكر، بالمرأة في الحي، بالمرأة في المنفى، بالمرأة داخل مؤسسات الدولة، وبالمرأة التي تعيش في قلب مناطق السيطرة المسلحة. كل واحدة في موقعها، تمارس مقاومة يومية صامتة: مقاومة تطبيع العنف، مقاومة نزع الإنسانية، مقاومة تحويل الحرب إلى أمر عادي.

    الخطر، كما تُظهر رواندا، ليس في تحرّك النساء، بل في احتوائه. في تحويل السلام إلى شعار يُسكت الألم بدل أن يواجهه. في الطلب من النساء أن يكنّ جسرًا للعبور، لا صوتًا للغضب المشروع.

    السودان لا يحتاج إلى نساء مثاليات، ولا إلى بطلات أيقونات. يحتاج إلى نساء يرفضن تطبيع الحرب في تفاصيل الحياة اليومية، ويبنِينَ «نحن» أوسع من السلاح، وأصدق من الشعارات.

    هذا ليس حلمًا طوباويًا.

    هذا ما فعلته نساء قبلنا…

    حين لم يعد هناك أحد آخر يفعل شيئًا.

    في الاسفل صورة فنراندا احدي قائدات المبادرة الحاصلة على جائزة نوبل للسلام.