بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
(محافظ بنك السودان المركزي السابق)
في رسالة ودودة من الأخ لطفي علي لطفي من الولايات المتحدة الأمريكية بالأمس وعندما ذكر الكوة مضافا اليها الشجاعة، انفتحت أبواب الذاكرة على مصراعيها، فعادت بي إلى أيام بعيدة، إلى ذكرى ضربة الجزيرة أبا، تلك الحادثة التي بدأت برحلة نيلية للرئيس الأسبق جعفر محمد نميري من الخرطوم قاصدا الطواف بكل قرى ومدن النيل الأبيض وحتي كوستي في عام 1970.
كنت حينها تلميذاً في المرحلة الابتدائية، أقف على رصيف البحر، نهرنا الأبيض، في مدينة الكوة. وعلى امتداد الرصيف رأينا أنصار الإمام المهدي مصطفّين، يحملون الحراب والسيوف، تهتز حناجرهم بالهتاف:
لا إله إلا الله… محمد رسول الله، الله أكبر ولله الحمد.
كنا نمر من بينهم، نسمع هذه الأهازيج تتعالى، دون أن يتحرك أحدهم أو يؤذي إنسانا، وكأنهم يحملون رسالة صامتة أرادوا إيصالها إلى موكب الرئيس القادم من الخرطوم على ظهر الباخرة.
تجمع أهل الكوة، شيبا وشبابا واطفالا ونساء؛ منهم من جاء مؤيداً لجعفر نميري، ومنهم من حضر بدافع الفضول وحده. ففي ذلك الزمان، كانت أي فعالية ـ مهما صغرت ـ حدثا كبيرا يستدعي حضور الجميع، لقلة المناسبات وبساطة الحياة. حتى قيل إن بعض أحياء الكوه العريقه كانت تحيي الليالي بالغناء حتى ساعات متأخرة، ولو كان الاحتفال مجرد “طهور” لطفل، أما إن كان عرسا، فيبدأ الغناء قبل الموعد بأسبوعين أو يزيد.
نعود إلى المشهد.
رأينا من على بعد أمتار جعفر نميري يقفز من الباخرة قفزة رجل لا يعرف التردد، ثم يمتطي عربة مكشوفة وسط هتاف الجماهير، عابراً ما كنا نسميه آنذاك شارع النيل، في طريقه إلى ملعب الكرة القديم قرب نقطة الشرطة، أو “البوليس” كما كنا نسميها.
أذكر جيداً أن جعفر نميري لم يخاطب الجمع بنفسه، بل أوكل الأمر إلى مامون عوض أبو زيد أو خالد حسن عباس. وبعد سنوات فقط، فهمنا الصورة كاملة: أولئك الأنصار الذين ظهروا في الكوه لم يأتوا مصادفة، بل جاؤوا لمنع نميري من مواصلة رحلته إلى الجزيرة أبا. وفعلا، قرر الرئيس قطع الرحلة والعودة إلى الخرطوم، لتقع بعد ذلك أحداث الجزيرة أبا المعروفة.
أما قصة ‘الكوه الشجاعة’، فقد رُويت لاحقاً حين عاد نميري إلى الخرطوم وألقى خطابا إلى الامة السودانية، شرح فيه ملابسات عودته وما تعرض له، وتحدث عن تجمع الانصار في الكوه لوقف مسيرته، ثم قال ـ نصا ـ إن أهل ‘الكوّة الشجاعة’ هم من قاموا بحمايته حتى وصوله إلى ميدان اللقاء. ذكرت هذه القصه خوفا من ان تنسي بمرور الزمن.
رحم الله المشير جعفر محمد نميري، ورحم الله الإمام الهادي المهدي.
وتبقى الذكريات… حنينا دافئاً يطرق القلب كلما هدأ الضجيج، ويأخذنا برفق إلى زمنٍ مضى، زمنٍ كانت الأيام فيه أبسط من أن تثقلها الحسابات الماديه، وأصدق من أن تخفي ما في الصدور. زمن كانت فيه الدهشة طازجة، لا يطفئها التكرار ولا يفسدها الاعتياد، وكانت القلوب طيبة ومفتوحة مثل الأبواب الجيران والاهل حتى عند المغارب، تستقبل الحكايات بلا حذر، وتودعها بلا خوف من مصائب الزمن. هذا الزمن لم يكن كاملاً، لكنه كان حقيقيا، نعيشه كما هو، بضحكته وبحزنه، فنحمله معنا الى اليوم ملازا دافئا كلما اشتدت برودة الحاضر.










إرسال تعليق