بقلم/ الطيب مضوي شيقوق
مستشار قانوني – محامي
لقد أصبح الاقتصاد العالمي شديد الترابط، بحيث لم تعد الحروب أحداثًا محصورة داخل حدود الدول التي تدور فيها، ولا أزمات يمكن النظر إليها باعتبارها شؤونًا بعيدة لا تمس الآخرين. فالصراعات الإقليمية اليوم تمتد آثارها بسرعة عبر الأسواق وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، لتصل إلى دول لم تكن طرفًا فيها أصلًا. وفي ظل هذا التشابك الاقتصادي العميق، تجد الاقتصادات الهشة نفسها الأكثر تعرضًا لارتدادات الأزمات العالمية، ويأتي السودان في مقدمة الدول التي تتلقى هذه الصدمات بأثر مضاعف، بحكم اعتماده الكبير على الخارج وضعف قدرته على امتصاص التقلبات الدولية.
وأي تصعيد عسكري في المحيط الإقليمي لا يُقرأ فقط بلغة السياسة أو موازين القوى، بل بلغة الاقتصاد اليومي؛ لغة الخبز والوقود والدواء وسعر العملة. فأول ما تهتز له الأسواق العالمية في مثل هذه الظروف هو قطاع الطاقة، إذ يكفي الخوف — حتى قبل توقف الإمدادات — لرفع أسعار النفط. وبالنسبة لدولة تستورد جانبًا كبيرًا من احتياجاتها من الوقود، فإن ارتفاع الأسعار لا يبقى رقمًا في نشرات الاقتصاد، بل يتحول سريعًا إلى زيادة في تكلفة النقل والكهرباء والإنتاج، ثم إلى موجة تضخم يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
غير أن النفط ليس سوى البداية. فالحروب تُربك سلاسل الإمداد العالمية، وترفع تكلفة الشحن، وتغذي حالة القلق في الأسواق، فتتحرك أسعار الغذاء صعودًا حتى في الدول البعيدة عن ساحات القتال. والسودان، رغم موارده الزراعية الواسعة، ما يزال يعتمد على استيراد سلع أساسية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب عالمي ينتقل مباشرة إلى الأسواق المحلية، فيتحول الصراع الخارجي إلى عبء معيشي داخلي.
لكن الأثر الأعمق — والأقل ظهورًا — يكمن في عالم التأمين البحري، ذلك العالم الصامت الذي لا يلتفت إليه كثيرون رغم أنه العمود الخفي للتجارة الدولية. فلا سفينة تعبر البحار دون غطاء تأميني، ولا شحنة تصل إلى ميناء دون حساب دقيق للمخاطر. وعندما تتصاعد احتمالات الحرب، تُعاد صياغة هذه الحسابات فورًا، فتُصنَّف المناطق القريبة من النزاع كمناطق عالية الخطورة، وترتفع أقساط التأمين فيما يُعرف بعلاوة مخاطر الحرب.
وهذه الزيادة لا تبقى في دفاتر شركات التأمين، بل تسافر مع السفن نفسها. فكل حاوية متجهة إلى السودان تحمل معها تكلفة إضافية غير مرئية، يدفعها المستورد مضطرًا، ثم تنتقل بهدوء إلى السعر النهائي للسلعة. وهكذا يجد المواطن نفسه يدفع ثمن حرب لم يسمع بأسبابها كاملة، عبر ارتفاع مفاجئ في أسعار السلع الأساسية.
ويظهر أثر التأمين بصورة أشد في شحنات الوقود، التي تخضع أصلًا لتأمين مرتفع القيمة. ومع تصاعد المخاطر العسكرية تقفز أقساط التأمين قفزات كبيرة، فتزداد تكلفة الطاقة حتى قبل أن يرتفع سعر النفط نفسه. وعند هذه النقطة يتضاعف الأثر الاقتصادي، لأن الوقود يدخل في تكلفة كل شيء تقريبًا، من رغيف الخبز إلى أجرة المواصلات.
ويمتد التأثير كذلك إلى السودانيين العاملين في دول الخليج، حيث تؤدي أجواء التوتر وعدم اليقين إلى تباطؤ الاستثمارات وتقليص فرص العمل أحيانًا، مما ينعكس على حجم التحويلات المالية التي تمثل شريانًا مهمًا للنقد الأجنبي داخل السودان. ومع انخفاض هذه التدفقات يزداد الضغط على العملة الوطنية، وتتسارع دورة التضخم في حلقة يصعب كسرها.
وتتفاقم هذه الآثار لأن السودان يدخل هذه المعادلة من موقع هش أصلًا. فضعف البنية الاقتصادية، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وارتفاع تصنيف المخاطر في نظر المؤسسات المالية العالمية، كلها عوامل تجعل أي صدمة خارجية تضرب الاقتصاد المحلي بقوة مضاعفة. وفي مثل هذه الظروف لا تكتفي شركات التأمين برفع الأسعار، بل قد تتردد أحيانًا في تقديم التغطية أصلًا، وهو ما يهدد انسياب التجارة قبل أن يهدد مستويات الأسعار.
المواطن العادي لا يرى هذه التعقيدات؛ فهو لا يقرأ عقود التأمين ولا يتابع مؤشرات الشحن العالمية، لكنه يرى النتيجة بوضوح: أسعار ترتفع دون سبب محلي مباشر، سلع تتأخر في الوصول، وأعباء معيشية تتزايد بصمت. إنها حرب لا تُخاض بالسلاح داخل البلاد، لكنها تُخاض في الاقتصاد اليومي لكل أسرة.
ورغم قتامة الصورة، فإن الأزمات العالمية تحمل دائمًا فرصًا كامنة. فارتفاع أسعار الغذاء عالميًا قد يفتح بابًا لزيادة الطلب على المنتجات الزراعية السودانية، إذا توفرت بيئة إنتاج مستقرة وبنية تصديرية فعالة. غير أن الفرص الاقتصادية لا تزدهر في ظل الاضطراب، بل تحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على تحويل الإمكانات إلى واقع.
وهكذا تكشف الحروب الحديثة حقيقة قاسية: الدول الضعيفة اقتصاديًا تدفع كلفة الصراعات أكثر مما تدفعه أحيانًا الدول المنخرطة فيها. فالعالم لم يعد ينقل الحروب عبر الجيوش وحدها، بل عبر الأسواق وأسعار الطاقة وفواتير الشحن وأقساط التأمين.
وحين تشتعل الحروب بعيدًا، قد لا يسمع السوداني صوت المدافع، لكنه يسمع صداها واضحًا في السوق، وفي تكلفة المعيشة، وفي القلق اليومي على الغد. وفي ذلك درس دائم بأن الاستقرار الاقتصادي لم يعد شأنًا داخليًا خالصًا، بل أصبح مرتبطًا بسلام عالمٍ كامل؛ فإذا اضطرب في مكان، اهتزت معه حياة الجميع.









إرسال تعليق