المستشار الطيب شيقوق يكتب : ترامب وإلهان عمر: اختبار الهوية والديمقراطية

  • بتاريخ : 27 فبراير، 2026 - 1:41 م
  • الزيارات : 8
  • بقلم /  الطيب مضوي شيقوق المحامي

    ليس الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والنائبة الديمقراطية إلهان عمر مجرد سجالٍ حزبي عابر؛ بل هو مشهد مكثّف لصراع أعمق داخل التجربة الأمريكية نفسها: صراع بين تصورٍ ضيّق للهوية الوطنية، ورؤيةٍ ترى في التعددية جوهر الفكرة الأمريكية.
    حين يتحول الخلاف السياسي إلى تشكيك في الانتماء، أو تلميحٍ بإقصاء المختلف، فإن الديمقراطية تدخل منطقةً حرجة. هنا لا يعود النقاش حول الضرائب أو السياسة الخارجية، بل حول سؤال أخطر: من يملك حق تعريف “الأمريكي”؟
    الديمقراطية، بطبيعتها، نظامٌ مُرهق. فهي تتيح لمن نختلف معهم أن يصعدوا، وتمنح من يزعجنا منبرًا، وتُلزمنا بنتائج قد لا تروق لنا. لذلك جاءت عبارة الزعيم السوداني الشريف زين العابدين الهندي الشهيرة:
    «الديمقراطية كان شالها كلب ما بقول ليهو جَرَت»،
    في تعبيرٍ ساخر عن مرارة القبول بنتيجة الصندوق مهما كانت. فالديمقراطية لا تُفصَّل على مقاس الرغبات، بل تُحتَرم بقواعدها.
    غير أن المفارقة أن بعض الخطاب السياسي في واشنطن اليوم يبدو وكأنه يضيق بتلك القواعد نفسها. فبدل أن يُواجَه الرأي بالرأي، يُواجَه أحيانًا بالتصنيف والاتهام. وبدل أن يكون البرلمان ساحة تنافس برامج، يصبح ساحة اختبار هويات.
    ليست المشكلة في نقد إلهان عمر أو غيرها؛ فالنقد حقٌّ أصيل في الحياة العامة. لكن الخط الفاصل بين النقد المشروع والإقصاء الرمزي أو المعنوي خطٌّ دقيق. وحين يُمسّ الانتماء، يصبح الخلاف السياسي شبيهًا بمحاكمة للوجود ذاته.
    العنصرية السياسية لا تعلن نفسها دائمًا بوضوح؛ أحيانًا تتسلل عبر معايير مزدوجة. فكم من سياسي عبّر عن آراء حادة دون أن يُسأل عن جذوره أو ولائه؟ ولماذا يُطرح هذا السؤال تحديدًا عندما يكون المختلف مهاجرًا سابقًا، أو مسلمًا، أو من خلفية أفريقية؟
    إن قوة الولايات المتحدة تاريخيًا لم تكن في تجانسها، بل في قدرتها على إدارة تنوعها. وكلما ضاق تعريف الوطن، ضاق أفقه. فالديمقراطية إن لم تتسع لخصومها، تتحول إلى أداةٍ في يد الأقوى، لا ميزانًا بين المتساوين.
    الصدام بين ترامب وإلهان عمر إذن ليس مجرد مواجهة شخصية، بل اختبارٌ حيّ لفكرة أمريكا ذاتها: هل تبقى دولة عقدٍ دستوري يجمع المختلفين، أم تنزلق إلى تعريفٍ هويّاتيٍّ يُقصي من لا يشبه الأغلبية؟
    التاريخ يُعلّمنا أن الديمقراطية لا تموت دفعةً واحدة، بل تبهت تدريجيًا حين يضيق صدرها بالاختلاف. وعندها يكتشف الناس متأخرين أن الضجيج الذي أزعجهم يومًا… كان هو صوت الحرية.