بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم/
مبشر حسن عشم الله
الكوة كما رواها لي أخي مبشر حسن عشم الله، أطال الله عمره، في رسائله الصوتية بالأمس: قرية تتشكل من الذاكرة بقدر ما تتشكل من الناس، حيث تبقى الحكايات حية، تنتظر فقط من يعيد روايتها بهدوء وحنين. الكوة، حيث لا تقاس بعدد بيوتها، بل بعدد الحكايات التي تمشي بين الناس.
كانت الكوة تُعرَف بأهلها وألقابهم المعروفه قبل شوارعها؛ لنبدا بالسنوسي بائع التمباك، هناك كان صالح لولح، الذي يحلق للصبية في العراء بقرشين ونصف بدل الخمسة، وكان له أقوال مأثورة يجيد التحدث بها. ومن الأسماء والألقاب المعروفة عبد الله مخنزر. ود الملك ويوسف أبو شقاوة وختام ، ويوسف حسين سليم، ودقوشين، و يوسف الفتح، وتربو، وأم القيمة، وعبد الله نايلوا (الهواء شايلو)، وعمك الزاكي وسعيد الجزّة، ومحجوب أب ضهير، وغيرهم كثر أسماء والقاب محفوظه نسمعها تنادى ، لأن القلوب هناك لا تحتاج إلى تعريف. اضافة لبت طمل، وسعد القصاص، وود الماظ، ويوسف الخضر سورج، وصديق الأنصاري، والأستاذ الكبير عبد الرحمن الحاج موسى مدير مدرسة البنات كما يحلوا للناس أن تصفه و غيرهم يمشون في الذاكرة كما كان الناس يمشون في شارع السوق، بلا استعجال ولا ادعاء. ويمضي الشريط: إبراهيم كبة، وعبد الله كروم، وعبد الوهاب أبو دوم، وحسين آغا، وعبد الرحمن علي توت، وأحمد ومحمد وعلى عبود، ومحمد الماحي، وعمك الرضي صاحب السندالة، الذي ما كان الصغار يترجمون نغمة بورى البص شعرا كلما مروا بالقرب منه : ديك… الرضي كِيتا كِدي تمشي وتجي. وكان يركض خلفهم غاضبا: أنا ما عندي ديك يا أولاد ال… !، والزين الماحي وود البستم. ومن البيوت بيت بت أم فريوة زوجة آدم الهدندوي، وبيت بنات طمل، وبيت الأمين عبد الله، وبيوت العكاكة وعبد الرحيم الكعاكي البصير الذي يعالج الكسور، وبيت ود بخيت الجامع بالسكان وبيت هلودة، وبيوت فرجو الروكة وأحمد عبود، كلها بيوت مسحتها الأيام ولم تمسح أسماءها، وبيوت غابت وبقي أثرها.
وبالقرب من المزلقان، تقف شجرة اللالوب التي حملت اسم سعد القصاص والمشهورة بمكان قص شعر الحمير، شاهدة على زمن كانت فيه الأشجار تحفظ الأسماء أكثر مما تفعل الدفاتر. ومن الذاكرة وابور السادة المهدية المسمي بالطاهرة الذي يحمل السادة الانصار من الجزيرة أبا والذين ينزلون عند محمد صالح بشير،.هناك الأستاذ عثمان إبراهيم، والأستاذ الجليل عوض عبد الفراج، والعم يونس أبو بابكر، وأستاذ الاجيال موسى توفيق، ومن الاشخاص كابوس ومحمد أحمد يحي، من الأسماء أيضا عبد الباقي الأمين، وعبد القوي الطيب مساعد، وعلي جربان، وشاويش، وعلي عبود ملاحظ الصحة الصارم، الذي لا يساوم في النظافة ولا يرحم تمن الألبان القديمة من التغيير الفورى، و ابن عوف، ومهدي محمود، وصالح بخيت والتيمان، ومحمد صالح بشير، وعوض سيده، ونادي الكوة الذي شهد جولات في المسرح والغناء والأسابيع الخيرية واجتمعات جمعية أبناء الكوة بالجامعات، بيت الرشيد نمر، بيت سيد أحمد البشير، وبيت محمد عثمان ملين ، الذي فتح كَرَنْ، وخلّده الناس بفعله قبل اسمه، وبيت حسين والرشيد الجاك وكلاء دقيق المخابز، حيث كان الرغيف بتسع وقيات ونصف، لا يزيد ولا ينقص. والعمد الكرام: ود ضويو، وعلي بابكر، وبيوت مبارك الطيب، وحسين أبو القاسم. تمتد الذاكرة الى بيت أحمد علي سالم. من الأسماء الرنانة ستنا زوجة العم علي عثمان، وبت الشباك، وأم جابر موسى، وبت منور، والنخيل، وأم سلمة بت عبود، ونفيسة بت حسن المكاشفيه. وما ذكر هنا من نساء فضليات إنما هو على سبيل الإشارة فقط، فهناك نساء أخريات اشتهرن بسعة الخلق وجليل الأعمال، أحبهن المجتمع وتركْن أثرا عميقا في النفوس، فكن أمهات للجميع قبل أن يكن أمهات لأبنائهن. كما لا ننسي بت الأدب التي ترقص جنب النار كأن الفرح فرض عين. أسماء اندثرت، لكنها ما زالت حيّة في الذاكرة. وفي طرف الحكاية يقف حاج عبد الله، الذي كان الناس يعتقدون فيه ويقولون: يا حاج عبد الله يا راجل الدرب الما بتتغلب ودقشين الذي يدفن القرشين، لا بخلا بل خوفًا من غدر الأيام. ومعتصم الحاج موسى وكراماته، الذي يتنبأ بالموت، ويصيب كثيرًا، فيسكت الناس احترامًا لا خوفًا منه.
ومن أشهر الدكاكين (التي كانت تسمي بالكتاتين، جمع كنتين)، دكان أبشوش المشهور الذى يرتاده علية القوم. و دكان حسين أب إصبع، ودكان محمد عبود الحلاق صاحب القفشات الساخر و الذي كان دكانه يمثل قمة في النظافة والصور المعلقة والذي أشتهر باستقبال علية اهل الكوة من المدرسين والموظفين وأبناء الكوة بالخرطوم، ودكان علي جربان، ودكان مصلح وصالح، ودكان عبود احمد حيث تقاس الأيام بالرزق والحديث. ودكان محمد أحمد يحي الترزي، ومعه الترزية المشهورين: السادة المكرمين خالد محمود وعمر محمد، يخيطون الثياب كما تخاط الذكريات، اضافة للترزية من حي فلاته، وعبد الرحمن محمد أحمد، موزع خطابات البوستة، يحمل الأخبار كما يحمل الناس الأمل في ذلك الزمان. ودكان ميرغني ود عبد الحميد ، وتجمع الضمنة تحت العرديبة، حيث الظل أصدق من المواعيد. ومن أشهر الأحياء حي النخلة وحي المواليد وحي تكساس وحي القيقر وحي فلاته غيرها كثر.
في شارع الصرامتة أو الصرماته، ذاك الشارع الذي يعرف الضحك مثلما يعرف الخصام السريع والعودة السريعة للألفة التي تجمع بين الناس. هذا الشارع الذي ضرب فيه نار العود الصرماتي صديقه بعد خلاف سابق و باغته نار العود بعدها بفترة بضربة مماثلة قائلا: دقّة بدقّة والبادي أظلم، فصارت العبارة مثلا يتداول بين الناس. وعم بشارة، الذي عمل بوليسا في الجنوب ثم فصل من الخدمة، عاد إلى الكوة ليكسب رزقه بائعا للماء من البئر. وحين كانوا يسألونه: لماذا لم تعد إلى عملك في الجنوب؟ كان يجيب، عاما بعد عام، بابتسامة هادئة: “أنا في إجازة”. ومع مرور الزمن صارت عبارته مثلًا يضرب لكل من يتأخر في العودة إلى مدرسته أو عمله .ويروي الأديب الوزير رحمه الله عمر الحاج موسى أن أحد الصرامتة، حين ارتاد الأمريكان القمر لأول مرة، صنع سفنجة بسسته وقال مفتخرا وساخرا: الناس دخلوا القمر، والصرامتة في الكوة فرشوا البحر. كلام ينم عن متابعة الأحداث العالمية آنذاك وفيه مبالغة لكنها محببة.
وطاحونة ود بخيت، وطاحونة عبد الحفيظ، الذي يكنس نفسه بسيد النخلة والطاحونة. ومن الآبار بئر النخله وبير حسن حمزة قرب بيت ود بخيت، وبئر المهدي التي تقاصد بيتنا. ومن اللوارى لوري خليفة فضل الله، وبص كابوس، وتيمس ود بخيت (قدوم طويل)، وبصات محمد الماحي، وأقدم لوري جاء به عثمان الخضر (أسموه أهل البلد التعلمي نار الجمر). وعربات حاج فرح المدلليف و الفورد بصوته المميز. والبص السريع والبص الأهلي (ويسمى بالصاروخ ويلقب بالسراق لأنه يأتي أولا ويأخذ الركاب من قبل البص السريع) من الخرطوم الساعة الثانية بالضبط والجرائد التي يحملها ويحب قراءتها اهل الكوة سطرا سطرا، وصوت البورى المميز للبص الذي لا يخطئه سمع: اذ يفسر بـــــــــ ( ليكا… ليكا)، ولا تسألني ماذا تعني فهي مجرد نغمة ترجمت كتابيا. البص السريع كان سببا في تأليف القصيدة التي يقول مطلعها (ياظبية البص السريع …قمت بيك وخائف أضيع… قام من الخرطوم للجبل… وفي دقائق حالا وصل… الخ القصيدة المشهورة.
ويزرع أهل الكوة ما يسمي بالنبرو بعد نزول البحر (النيل الأبيض) الذي يزرع فيه البطيخ ومن أشهر زراعيه الذاكي وأبناء من حلة فلاتة، وهنالك أيضا زراعة الأرز وتربية البط والحمام عند الفلاته. وعمك زايد بائع الموية، الرجل الصالح، وعبد الله المؤذن بصوته الجهوري، وحلقات المولد: الأنصار، والأحمدية، والختمية، والحيلانية. والماجري وأولاد يوسي الحنينين، وعباس شيخ طه، الرجل الذي عرف بكثرة الحج، والمحب لمجالس النوبةحيث تسمع: الله هو الدائم. كريم هو الدايم . وعلي جربان، ذو الطاقية أم قرون، الذي كان يجوب الاحياء بصوته الجهوري، مناديا أصحاب البيوت للاستعداد لرش المنازل بالجمكسين. يالها من نظافة وياله من اهتمام بحماية البيئة، وعم عبد الفضيل، ناقر النوبة، صاحب المهارة الفائقة واليد التي تعرف الإيقاع قبل أن ينقر.
الرحمة والمغفرة لمن مضوا إلى لقاء ربهم، ونشهد لهم بحسن التربية وكريم الخصال، ونسأل الله طول العمر وحسن العمل لمن لا يزالون بيننا. هذا قليل من كثير والكوة أسماء تملأ المكان، وأماكن تحفظ الأسماء، وذاكرة إذا نبشت خرجت حية كما كانت. هكذا هي الكوة، كما وصفها أخي وحبيبي مبشر حسن عشم الله – أطال الله عمره – في رسائله الصوتية بالأمس وأضفت اليها ما تذكرته: قرية من لحم وذاكرة، ناسها حكايات، وحكاياتها لا تموت، بل تنتظر من يرويها بحنين وان طال الزمن. هذا بعض ما جادت به الذاكرة، والعذر إن غابت أسماء أخرى أو أمكنة لم تذكر؛ فالمقصود ليس الحصر في هذه العجالة التوثيقية، وإنما محاولة لنبش بعض الماضي واستعادة ما فيه من بعض الذكريات والألق.
أن شخوص الكوة وحكاياتها وأمكنتها لا تسعها مقالات، بل تحتاج إلى مجلدات تحفظ هذا الثراء الإنساني والمكاني والذاكرة الحيّة.
نبدأ بذكر بعض شخوص الكوة: العم الجليل التوم بابكر من أقدم مدراء البوسته الكوة ومشهود له بالعمل الدؤوب في كل مناحي تطويرها، وابنه الدكتور بابكر التوم بابكر أخصائي الأشعة المعروف وهاشم التوم وأخواته، وعلى عثمان وأولاده عثمان و حسن والبقية، والعم محجوب وخالد محجوب والبقية في تلك الدار الكبيرة العامرة، وبالقرب منهم عوض الكريم شيخ الحلة، وبذكر آل التوم بابكر يذكر أيضا الخليفة الطيب وابنائه، والخليفة عبد الرحمن علي تود وأبنائه، صاحب الصوت الرحيم والمنشد في اللياليات الدينية، وخليفة فضل الله والد محمد خليفة، والشاعر الكبير شابو والأديب عباس على عبود . ومن النساء: زينب بدرية، فاطمة بت الزاكي، فاطمة بت النتيفة، بنونة، وحسن حسين. ولا ننسى أولاد بوبي، وأولاد همام وأخوانه حامد وأولاده و مرسال عجيب وزوجته، والعم سليم وابنائه وبناته هم جميعًا نسيج المكان وروح في هذا الحي. كما لا يُنسى الساعي عبد اللطيف ود الجنة، وعوض حركات، والداية بت بريقع، وشجرة العيش، وأبو سندلة، ودكان كباكا، والحبوبة عاشة قروش وأبناؤها محمد صالح وعباس الملقب بعباس كوشة، ودومة ود بدرية، وحسن دوشة والدومة، من أمهر سائقي البصات، الذين عرفتهم الطرق قبل أن تعرفهم الأسماء. ومن معالم المكان ودكاكينه: دكان الشريف مكاوي، دكان ود الماحي، وكنتين دوكة الزاكي، ودكان اليمني مرعي الذي لا زال بعضا من أبنائه يقيمون بالكوة، ودكان ود الوعر ودكان جار النبي ودكان مكي سيد أحمد. وبص ود الجردة، وبيت صافي دينو. ومن أهم أعلام المدينة، بحسب الألقاب المتداولة: قدورة، واللار.
في الكوة هنالك مجموعة بارزة من الشخصيات في مجالات الطب والسياسة والدبلوماسية والعلوم والهندسة والاقتصاد. في الطب والسياسة الدكتور التجاني الماحي، العالم في الطب النفسي والسياسي المخضرم البروفيسور عبد الرحمن سالم محمد نور، رائد علم الفيروسات في السودان، مؤسس المختبرات الحديثة بالخليج، ومكتشف سلالة الإنفلونزا المسجلة عالميًا باسم Influenzas A / Sudan/ 5/70/H3N2.، والدكتور عبد الله عويس، ودكتور موسي الماجرى والدكتور بابكر التوم بابكر في الأشعة، والدكتور محجوب حمزة والدكتور موسى عبد الله حامد، والدكتورة عائشة عويس ودكتور عثمان الخضر ودكتورة هاجر حامد همام ودكتور عادل محجوب موسي ودكتور خالد عمر الحاج موسي ودكتور مروان محمد أحمد سليمان ودكتور خالد جابر وآخرون لايقلون عن مئة طبيب.
كما يذكر أسماء بارزة مثل عمر الجاج موسى وأبنائه سيف الدولة وبابكر وبدر الدين وخالد، ومحمد إبراهيم عبد الحفيظ الذي شغل منصب إدارة انتخابات مجالس الشعب ورئاسة الجمهورية أيام مايو. في السياسة: من السياسيين البارزين: معاوية إبراهيم سورج، والسياسي المخضرم أحمد السيد حمد، والأستاذ غاذي سليمان. في الدبلوماسية: السفراء خالد النصيح، والدكتور عمر عبد الماجد مؤلف ديوان أسرار تمبكتو القديمة، والسفير الرشيد خضر حاج إبراهيم، والسفير عمر حيدر أبوزيد و السفير صديق بابكر.
ومن أساتذة الجامعات البارزون البروفيسور عبد الرحمن النصرى مدير مكتبة جامعة الخرطوم، البروفيسور خضر أدم عيسي عالم الآثار، البروفيسور الرشيد عثمان الخضر، البروفيسور السماني النصري، والبروفيسور بكري الخليفة الطيب، والدكتور حبيب الله عبد الله كروم، الدكتورة عفاف مصطفي كروم، والدكتور اعتماد عبد العظيم الماحي، ودكتورة مني الماحي، والبروفيسور قاسم عثمان نور، خبير ببليوغرافيا ودراسة الكتب والمراجع، والبروفيسور عصام صديق، عالم الصمع العربي، بالإضافة إلى مهندس البكور وشخصي الضعيف وشخصيات أخرى. وفي الهندسة: أهدلي مامون كروم، عبد الحفيظ وحسن أحمد البدري، والمهندس عمر علي عبود، والمهندس عثمان علي عبود والمهندس صديق النور مخطط مشروع المناقل، د. عثمان مبارك، والمهندس حسين عثمان النور المساحة والمهندس فيصل التجاني كروم، والمهندس بدر الدين حسن كروم، المهندس الشيخ العمدة. في الطب البيطري الدكتور حسن علي عثمان، والدكتور خالد كروم، وآخرون.
في مجال الاقتصاد والمالية، يبرز من أهل الكوة عدد من الشخصيات المتميزة التي تركت أثرًا كبيرًا على المشهد الاقتصادي السوداني، من بينهم عبد الرحمن سيد أحمد، ومنصور محجوب، أول وزير خزانة في عهد مايو وأول سوداني يحصل على الزمالة البريطانية في المحاسبة، وبدر الدين سليمان، وزير المالية والصناعة الأسبق، وعبد الرحمن سيد أحمد، المدير العام السابق لبنك الشعب التعاوني، إلى جانب الدكتور عصام الذين الماحي، والأستاذ عثمان آدم حامد وشخصي الضعيف، وشخصيات أخرى عديدة ساهمت في تطوير السياسات المالية، وتعزيز الإدارة الاقتصادية، وبناء القدرات المحلية في مجالات المحاسبة والمالية العامة والاستثمار.
ومن الأساتذة الكرام الذين أسهموا في تشكيل الوعي والتعليم في الكوة: الأستاذ حسن عجب، والأستاذ موسي توفيق الذي سبق ذكره، والاستاذ سيد أحمد حاج سعيد، والأستاذ أبو الريش، والأستاذ عباس الرشيد، والأستاذ صلاح الرشيد، صاحب اليد الفنية المرهفة، والأستاذ بشرى كنب، والأستاذ هبِية، والأستاذ عبد الرحمن عباس، والأستاذ أحمد العمدة، والأستاذ بوكو، والاستاذ بدر الدين علي عبود والأستاذ سيد أحمد الملقب بـ«قرقار»، الذي كان يعشق الإجازة في الكوة ويرفض العمل فيها، محتجّا بظرافته المعهودة: لو اشتغلت في الكوَة أين ستكون اجازتي؟ وغيرهم كثر، ملأوا البلدة علما وثقافةً وتعليما رصينا. ولا ننسي الأستاذ الكبير بابكر على أبو الذي شغل مناصب تعليمية رفيعة. بالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعة كبيرة من معلمات الكوة اللواتي تركن بصماتهن الواضحة في مجال التعليم، حيث أسهمن في بناء أجيال من الطالبات في مختلف ولايات السودان، ناشرات العلم والمعرفة، ورافعات راية التعليم في القرى والمدن، محافظات على القيم التربوية، ومخلّفات إرثاً تعليمياً وثقافياً أثرى المجتمع السوداني بأسره.
وختاما، يبقى ما كتب هنا مجرد ومضات من ذاكرة جماعية أوسع وأعمق، لا تدعي الإحاطة ولا تكتمل إلا بأهلها. فإن سقط اسم أو غابت حكاية، فذلك من قصور الذاكرة لا من قلة التقدير، فالكوة أكبر من أن تختصر، وأغنى من أن تُروى في مقال أو مقالين. هي مكان يسكن أهله في القلوب قبل البيوت، وتبقى حكاياتهم حية ما دام في الناس من يذكر، وفي الذاكرة متسع للحنين. رحم الله من مضى، ومدّ في أعمار من بقوا، وجعل هذه السطور تحية وفاء لبلدة علمت أبناءها أن الإنسان هو أصل الحكاية وأجمل ما فيها.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.
مبشر حسن عشم الله.










إرسال تعليق