الدولة المدنية وخيار الحزبية

  • بتاريخ : 3 مارس، 2026 - 7:25 م
  • الزيارات : 1
  • بقلم: قسم بشير محمد الحسن

    – كاتب وخبير مصرفي

    تتأرجح قناعات الكثيرين بين خيار الحزبية وخيار الحكم العسكري، ويعود هذا التذبذب إلى هناتٍ وممارساتٍ خاطئة أثّرت سلبًا على قناعات الأفراد تجاه العمل الحزبي. غير أن العيب في الحقيقة لا يكمن في الحزبية ذاتها، بل في الممارسة الحزبية المنحرفة عن مسارها الصحيح. فبمزيد من التجربة والتقويم، يمكن أن تتلاشى الأخطاء، وتترسخ أسس الدولة المدنية.
    لقد حكمت الحركة الإسلامية السودان ثلاثين عامًا حكمًا شموليًا، تمخّضت عنه أخطاء جسيمة عجّلت برحيل نظامها ، وأفرزت مظالم طالت قطاعات واسعة من أبناء الوطن. وقد قادت تلك التراكمات إلى ثورة شعبية عارمة شارك فيها السودانيون بمختلف انتماءاتهم الإسلامية واليسارية، وكانت بمثابة استفتاء شعبي عبّر عن رفضٍ قاطع لسياسات الشمولية، لا رفضًا للإسلام في حد ذاته.
    إن فساد بعض الأشخاص لا يعني فساد الفكرة. فالحركة الإسلامية، كغيرها من الكيانات، احتوت الصالح والطالح؛ الشريف المخلص، كما احتوت من تغلّب على قلبه حب الذات والمصلحة. وقد آثر كثير من الصادقين الانزواء حينما انحرف المسار عن الطريق المأمول.
    لقد اتسعت الفجوة بين الإسلاميين واليساريين، وأصبحت عملية رتقها صعبة بفعل الضغائن والرواسب العالقة في النفوس. غير أن مصلحة الوطن الذي تشظّى وتشرذم تقتضي التسامي فوق الجراح، والتوافق على ميثاق وطني يؤسس لأحزاب تقوم على مبدأ الفكرة لا مصلحة الفرد، وعلى المصلحة القومية لا الحزبية الضيقة.
    الفكرة هي أساس البناء، وهي قناعة من آمن بها واعتنقها، فلا مجال للتبخيس أو التحقير. والاختلاف الفكري يجب أن يكون وسيلة تنافس في البناء والتعمير، لا ذريعة للكراهية والبغضاء. فالحزبية الرشيدة يمكن أن تكون نواةً لمجتمعٍ معافى، تتوحد فيه الرؤى حول الوطن، لا حول القبلية والعشائرية البغيضة.
    ومع ضرورة احترام الفكر المختلف، استنادًا إلى مبدأ: “ولكم دينكم ولي دين”, يمكن تأسيس حزبية ناضجة ومتينة تفضي إلى دولة مدنية يسودها القانون والعدل والرفاه، وحياة سياسية نقية خالية من الأحقاد والمشاحنات.
    وفي نهاية المطاف، يجب أن يظل الباب مفتوحًا أمام جميع الأحزاب دون استثناء، ليكون الشعب هو صاحب الكلمة الفصل عبر انتخابات حرة نزيهة، تؤسس لحكمٍ حزبي مدته أربع سنوات، تراقبه معارضة قوية تمارس نقدًا بنّاءً لا هدامًا، وبذلك نغلق الباب أمام دكتاتورية الحزب الواحد والحكم الشمولي.
    والله الموفق.