حوارات حول الأفكار(204)
بقلم / حيدرمعتصم مدني
مدير مركز الخرطوم للحوار
الثورة كفعل تراكمي متجاوز للزمان والمكان والشخوص
ليست الثورة حدثًا يُقاس بسقوط نظام، ولا تُختزل في مشهدٍ جماهيري أوشعارٍ عابر،إن اختزال الثورة في لحظة انفجارٍ سياسي هو أحد أكبر الأخطاء المفاهيمية التي عطّلت فهمها وأفرغتها من مضمونها التأسيسي، فالثورة في معناها الأعمق فعلٌ تراكمي طويل النفس، يتشكل عبر الزمن داخل البنية الاجتماعية والثقافية، قبل أن يظهر في المجال السياسي.
أولًا: الثورة كتراكم وعي
كل مجتمع يعيش تحولاتٍ بطيئةً لا تُرى في حينها تتراكم فيه الخبرات، وتُختبر فيه النظم، وتظهر فيه التناقضات، وتتكون في داخله أسئلةٌ مؤجلة وحين تعجز البنية السياسية القائمة عن استيعاب هذه التراكمات، ينشأ توترٌ صامت بين المجتمع والدولة، هذا التوتر لا ينفجر فورًا، بل يتحول إلى حالة إدراكٍ تدريجي بأن الخلل ليس طارئًا، بل بنيوي هنا تبدأ الثورة في معناها الحقيقي: بوصفها وعيًا جمعيًا يتشكل داخل المجتمع قبل أن يتجسد في الفضاء العام.
إن لحظة الانفجار ليست بداية الثورة، بل إعلانًا مرئيًا عن مسارٍ كان يتكون في الخفاء.
ثانيًا: الثورة وتجاوز الشخوص
حين تُربط الثورة بالأفراد، تتحول إلى سيرةٍ بطولية، لا إلى مسارٍ تاريخي. وحين تُختزل في قائد، فإنها تموت بموته أو تُختطف باسمه. الثورة في بعدها التراكمي لا تُؤسس على الأشخاص، بل على التحولات البنيوية في وعي المجتمع بذاته.
الشخوص قد يعبرون عن لحظة، لكنهم لا يصنعون التراكم وحدهم. إنهم أدواتٌ في مسارٍ أوسع منهم، ومسؤوليتهم التاريخية لا تكمن في احتكار الثورة، بل في خدمة مسارها التأسيسي.بهذا المعنى، الثورة تتجاوز الفرد كما تتجاوز الجيل؛ فهي امتدادٌ تاريخيٌّ لحركة مجتمع يسعى إلى إعادة تعريف ذاته وعلاقته بدولته.
ثالثًا: الثورة وتجاوز المكان
قد تنطلق الثورة من موقع محدد أو مدينةٍ أو إقليم، لكنها لا تكتسب مشروعيتها إلا حين تتحول إلى وعيٍ وطنيٍّ جامع. فإذا بقيت حبيسة جغرافيا محددة، تحولت إلى احتجاجٍ جهوي، لا إلى فعلٍ تأسيسي.
الثورة المتجاوزة للمكان هي التي تعيد صياغة المجال الوطني بأكمله، وتطرح سؤال الدولة في كليته، لا سؤال السلطة في حدود جغرافيا معينة. إنها لا تُعيد ترتيب مركزٍ وهامش، بل تُعيد تعريف العلاقة بين المجال الجغرافي والهوية والسيادة.
رابعًا: الثورة كتجاوز للزمان اللحظي
الزمن السياسي سريع الإيقاع، أما الزمن المجتمعي فبطيء وعميق.
الثورة الحقيقية تتحرك في الزمنين معًا: تنبثق في لحظةٍ مفصلية، لكنها تُغذّى من تراكمٍ طويل.
إذا توقفت الثورة عند لحظة الانفجار، تحولت إلى ذكرى، أما إذا وعت أنها مسارٌ ممتد، فإنها تتحول إلى مشروع تأسيسي.
وهنا يظهر الفرق بين:
ثورةٍ تنتهي بإسقاط نظام
وثورةٍ تبدأ بإسقاط مفهومٍ خاطئ للدولة
خامسًا: من التلقي إلى الإنتاج السياسي
المجتمع الذي يعيش طويلًا في ظل نظمٍ غير متوافق عليها يعتاد التلقي؛ يتلقى القوانين، ويتلقى الخطاب، ويتلقى السلطة. لكن الثورة بوصفها وعيًا تراكميًا تنقل المجتمع من موقع المتلقي إلى موقع المنتج للقواعد.
في هذه اللحظة يتحول السؤال من: “من يحكمنا؟”
إلى:
“ما هي القواعد التي يجب أن يُحكم بها الوطن؟”
وهذا التحول هو جوهر الفعل التأسيسي.
سادسًا: الثورة كتاريخ مفتوح
الثورة ليست قطيعةً كاملة مع الماضي، ولا استمرارًا أعمى له؛ إنها قراءة نقدية للتاريخ بهدف تجاوزه. فهي تستفيد من التجربة، وتعترف بالأخطاء، لكنها لا تبقى أسيرةً لها.
وبهذا المعنى، الثورة ليست حدثًا منغلقًا في زمنٍ معين، بل مسارًا مفتوحًا يعيد تشكيل علاقة المجتمع بتاريخه ومستقبله في آنٍ واحد.
خاتمة :
الثورة، في بعدها التراكمي المتجاوز، هي حركة وعيٍ تاريخي تنتقل بالمجتمع من العفوية إلى التأسيس، ومن رد الفعل إلى صناعة القواعد، ومن الارتهان للأشخاص إلى الارتكاز على المبادئ. إنها لا تبدأ في الميدان، بل في الإدراك؛ ولا تنتهي بسقوط سلطة، بل باستكمال بناء دولةٍ متوافقٍ عليها.
وبهذا الفهم، يصبح الانفجار السياسي لحظةً في مسار، لا المسار كله.











إرسال تعليق