أزمة العقل السياسي في السودان

  • بتاريخ : 9 مارس، 2026 - 11:52 ص
  • الزيارات : 11
  • حوارات حول الأفكار||  د. حيدرمعتصم مدني
    مدير مركز الخرطوم للحوار

    حوار الدولة و الأيدلوجيا
    (2-4)

    *الدولة أم المحور*..؟
    *أزمة العقل السياسي في* *السودان*

    ليست كل الأزمات السياسية صراعات على السلطة، فبعضها في جوهره صراع بين فكرتين مختلفتين عن العالم. وما أثارته حادثة تصريح الناجي عبدالله ورد الجيش السوداني عليها يكشف – في عمقه – عن إشكالية فكرية قديمة في التجربة السياسية السودانية، وهي الإشكالية المتعلقة بالعلاقة بين خطاب الحركة الأيديولوجية ومنطق الدولة الوطنية.
    فالخطاب الذي عبّر عنه الناجي عبدالله ينتمي إلى تقليد سياسي وفكري تشكّل داخل الحركات الإسلامية والإشتراكية و العروبية منذ عقود، وهو خطاب يقوم على فكرة الأمة العابرة للحدود، حيث تُقرأ الصراعات الدولية من زاوية الانتماء العقائدي أو الأيديولوجي، لا من زاوية المصالح الوطنية للدول.
    في هذا التصور، يصبح الاصطفاف مع قوى مثل إيران أو غيرها أمرًا يمكن تبريره باعتباره جزءًا من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهي معركة تُفهم بوصفها صراعًا حضاريًا أو عقائديًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية.
    غير أن هذا المنطق يواجه مأزقًا حقيقيًا عندما ينتقل من فضاء الحركة إلى فضاء الدولة.
    فالدولة، بخلاف الحركات الأيديولوجية، لا تتحرك وفق منطق العقيدة وحدها، بل وفق شبكة معقدة من المصالح والتوازنات والعلاقات الدولية. وهي مضطرة – بحكم طبيعتها – إلى الحفاظ على قدر من البراغماتية في إدارة علاقاتها الخارجية، حتى مع أطراف قد تختلف معها سياسيًا أو أيديولوجيًا.
    ومن هنا ينشأ التوتر، فحين يتحدث ناشط أو داعية أو قائد في حركة أيديولوجية بلغة المحاور العالمية، قد يكون ذلك منسجمًا مع منطق الحركة. لكن حين يصدر الخطاب نفسه من شخص يرتدي زي الدولة أو يُنظر إليه كجزء من مؤسساتها، فإن المعنى يتغير تماما، في تلك اللحظة يتحول الخطاب من رأي شخصي إلى إشارة سياسية قد تُفسَّر بوصفها موقفًا للدولة.
    هذه الإشكالية ليست جديدة في السودان. فمنذ تسعينيات القرن الماضي عانى السودان مرارًا من التباس العلاقة بين مشروع الحركة الإسلامية ومصالح الدولة السودانية، وهو التباس كلّف البلاد أثمانًا سياسية واقتصادية ودبلوماسية باهظة.
    والحقيقة أن كثيرًا من أزمات السودان الخارجية في تلك الفترة لم تكن ناتجة عن ضعف الدولة بقدر ما كانت ناتجة عن اختلاط خطاب الحركة بخطاب الدولة.
    الدولة تحتاج إلى لغة مختلفة:
    لغة المصالح، والتوازنات، والحسابات الدقيقة،أما الحركات الأيديولوجية فغالبًا ما تتحدث بلغة أخرى:
    لغة المبادئ الكبرى، والتحالفات العقائدية، والاستقطاب الحاد،
    وحين تختلط اللغتان، تبدأ المشكلات.
    من هذه الزاوية يمكن قراءة التوتر الذي ظهر في الجدل حول تصريح الناجي عبدالله. فالمسألة لم تكن مجرد خلاف على تصريح إعلامي، بل كانت – في عمقها – تعبيرًا عن التناقض بين منطق الدولة الذي يسعى إلى ضبط الخطاب السياسي الخارجي، ومنطق الحركة الذي يميل إلى التعبير الأيديولوجي الحر.
    غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالحادثة نفسها، بل بالمستقبل، فالسودان اليوم يقف على أعتاب مرحلة تاريخية دقيقة، حيث لم يعد ممكنًا استمرار الالتباس القديم بين الدولة والحركات الأيديولوجية، فبناء دولة مستقرة في عالم معقد ومتداخل المصالح يتطلب وضوحًا كاملًا في التمييز بين ما هو خطاب دعوي أو سياسي حر، وما هو موقف رسمي يصدر باسم الدولة.
    إن الدولة السودانية – إن أراد أن يستعيد عافيته – يحتاج إلى ترسيخ مبدأ بسيط لكنه جوهري:
    أن السياسة الخارجية للدولة لا تُدار بالخطاب الأيديولوجي، بل بحسابات المصلحة الوطنية،
    وهو مبدأ قد يبدو بديهيًا في كثير من الدول، لكنه ظل في التجربة السودانية أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا إشكالية، لذلك فإن ما كشفته هذه الحادثة قد يكون، في جانب منه، فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والحركات الأيديولوجية، وبين الخطاب التعبوي وخطاب الدولة.
    فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على إدارة توازناتها بدقة، وحماية مصالحها في عالم لا يعترف إلا بلغة المصالح.