بقلم /شذى عبدالله طه
من السهل أن يُخفي الإنسان فعلته، ومن الأصعب أن يُخفي أثرها. فكم من كلمة قيلت في غرفة مغلقة، ثم خرجت يومًا تهدم صاحبها قبل أن تهدم غيره. وكم من خطة رُسمت في الخفاء، وظن أصحابها أنهم أحكموا كل التفاصيل، ثم انقلبت عليهم من حيث لم يحتسبوا. ليس لأن أحدًا كشفهم، بل لأن للحياة قانونًا لا يتبدل، ولأن الله لا تُحجب عنه الأبواب المغلقة، ولا تُعميه الظنون، ولا تخفى عليه النوايا التي لم تتحول بعد إلى أفعال.
ولهذا كان المكر في بدايته مطمئنًا دائمًا. صاحبه يرى أن الأمور تسير كما أراد، وأن أحدًا لم يشك فيه، وأن الحقيقة قد دُفنت إلى الأبد. وربما ازداد ثقة كلما طال الزمن، حتى يظن أن التأخير نجاة، وأن الصمت رضا، وأن غياب العقوبة دليل على أنه أفلت.
لكن الإنسان يحسب الزمن بساعته، والله يجري الأمور بحكمته.
كم من أمر بدا مستقرًا، ثم انهار في لحظة لم يتوقعها أحد. وكم من حق تأخر ظهوره حتى ظن الناس أنه ضاع، ثم عاد بطريقة لم تخطر على بال. ليست العبرة بسرعة النهاية، وإنما بعدلها.
ولعل أكثر ما يطمئن قلب المظلوم أن الله لم يطلب منه أن يعرف كل شيء، ولا أن يرد كل أذى، ولا أن يكشف كل خديعة. طلب منه فقط أن يثق. والثقة هنا ليست استسلامًا، بل يقينًا بأن ما غاب عن عينه لم يغب عن علم الله.
وكثيرًا ما نظن أن العقوبة لا تكون إلا بفضيحة يسمع بها الناس، أو بخسارة يراها الجميع. لكن الله أوسع عدلًا من ذلك. فقد يعاقب المرء بسلب الطمأنينة من قلبه، فيعيش محاطًا بكل أسباب الراحة، ولا يعرف للراحة طريقًا. وقد تُنزع البركة من أيامه، فيركض كثيرًا ولا يبلغ ما كان يظنه قريبًا. وقد يُترك لضميره، وليس هناك عقوبة أثقل من ضمير لا يهدأ إذا بقي فيه بقية حياة.
وفي المقابل، قد يظن المظلوم أن صبره لم يغيّر شيئًا، بينما كان الله يهيئ له من الخير ما لم يكن يراه. فكم من أبواب أُغلقت وكانت رحمة، وكم من تأخير كان حماية، وكم من انكسار حمل في داخله نجاة لم تظهر إلا بعد زمن.
لهذا لا تُرهق قلبك بمحاولة ملاحقة كل من أساء إليك، ولا تجعل عمرك ينقضي في انتظار لحظة يعتذر فيها من ظلمك، أو يعترف فيها من كاد لك بما صنع. فبعض الحسابات لا تجري على ألسنة الناس، بل في ميزانٍ لا يختل، ولا يظلم مثقال ذرة.
حين يطمئن الإنسان إلى عدل الله، يصبح أقل رغبة في الانتقام، وأكثر قدرة على المضي. لا لأنه نسي ما حدث، بل لأنه أدرك أن الله لا ينسى. وأن ما خفي عن الخلق، لم يخفَ عن الخالق.
ولهذا، إذا رأيت المكر ينتفخ ساعة، فلا تظن أنه انتصر. وإذا رأيت الحق يتأخر، فلا تظن أنه هُزم. فبين لحظة يدبّر فيها الإنسان مكيدته، ولحظة يجري فيها قضاء الله، مسافة لا يعرفها إلا الله.
تُدبَّرُ المكائدُ سرًّا… لكن عدل الله إذا جاء، لم يحتج إلى من يعرّفه بالفاعل.
قهوتي أحب شربها باردة











إرسال تعليق