مصنع سكر سنار… بين مداخن الإنتاج وأنين القرى

  • بتاريخ : 24 يوليو، 2026 - 8:52 م
  • الزيارات : 16
  • تظل المنشآت الاقتصادية في كل بلدان العالم واحدة من ركائز التنمية الحقيقية، فهي ليست مجرد مبانٍ من حديد وإسمنت، ولا آلاتٍ تدور في صمت، وإنما هي شرايين نابضة يفترض أن تمتد الحياة من حولها كما تمتد الأغصان الوارفة من جذعٍ راسخ.
    فالمصنع في فلسفة الأمم الناهضة ليس مكانًا للإنتاج فحسب، بل هو نافذة للأمل، ومدرسة للعمل، وقاطرة تجر خلفها قطار التنمية في الصحة والتعليم والطرق والخدمات. فحين يتحسن دخل الفرد، يتحرك الاقتصاد، وتنتعش المجتمعات، وتنهض القرى من هامش الانتظار إلى رحابة الفعل والبناء.
    ومن أجل هذا قامت مثل هذه المنشآت؛ لتكون جسورًا بين الثروة والإنسان، وبين الإنتاج والتنمية، وبين ما تخرجه الأرض من خيرات وما يعود إليها من عطاء.
    وفي منطقتنا هذه، يطل علينا مصنع سكر سنار ذلك الصرح السامق الذي يتسامى في الأفق بقدر آمال أهل المنطقة، ويمتد جغرافيًا في مساحات شاسعة بحجم أحلام البسطاء وتطلعاتهم.
    فمنذ أن امتدت جذور هذا الصرح في هذه الأرض، علّق الناس عليه آمالًا باذخة، وظنوا أن هذا العملاق الاقتصادي سيكون بوابةً مشرعة نحو غدٍ أكثر إشراقًا، وأن خيره سيمتد إلى القرى كما تمتد أغصان الشجرة الوارفة إلى من يستظل بها.
    غير أن المسافة بين الحلم والواقع ظلت طويلة.
    فقد تعاقبت السنوات، وتعاقبت الإدارات، وبقي المصنع ينتج السكر، وينفث الدخان، بينما ظلت كثير من القرى المحيطة به تكابد واقعًا مريرًا، وكأنها تقف خارج دائرة الضوء، تنتظر نصيبها من التنمية التي طال انتظارها.
    إن الطرق في هذه القرى ليست مجرد مسارات ترابية، وإنما هي جرحٌ مفتوح في خاصرة الحياة، يتسع نزفه كلما أقبل الخريف. هناك، حيث يتحول الطريق إلى وحلٍ يبتلع الخطوات، ومحنةٍ تختبر صبر الناس، يصبح الوصول إلى أبسط الخدمات رحلةً محفوفة بالمشقة والمخاطر.
    فكم من لديغٍ أسلم الروح، لا لأن لدغته كانت أقوى من الدواء، وإنما لأن الطريق كانت أشد فتكًا من السم. ظل يصارع الموت، والعربة تغوص في الوحل مرة، وتعجز عن التقدم مرة أخرى، حتى فاضت روحه قبل أن تبلغ يد الرحمة جسده المنهك.
    وحينها… لم يكن الذي مات إنسانًا فقط، بل ماتت قبله ألفُ لحظةٍ من لحظات المسؤولية، كانت قادرةً لو حضرت في أوانها أن تنتشل حياته من بين براثن الفقد.
    وكم من امرأةٍ داهمها المخاض، فحُملت على ظهر جرارٍ زراعي يشق السيول شقًا، بينما كانت عجلاته تغوص في ذلك الطين اللزج، وهدير الماكينة يمتزج بأنين الألم وصراخ الولادة، فتغرس في خاصرة المسؤولية ألف سكين.
    ولعل ما يزيد المشهد قتامةً أن يقف المصنع عاجزًا أمام هذه المعضلة، وهو الذي يمتلك من المقدرات الفنية، والإمكانات اللوجستية، والآليات والخبرات الهندسية ما يؤهله لأن يكون جزءًا أصيلًا من الحل، وأن يمد جسورًا من التنمية إلى القرى التي تحيط به.
    فالمؤسسة التي تملك هذه الأدوات، وتعرف تضاريس المنطقة واحتياجاتها، كان يمكن أن تصنع أثرًا باذخًا في واقع الطرق، وأن تخفف عن الناس شيئًا من هذا العنت المتكرر مع كل موسم خريف.
    بيد أن المؤسف أن الإدارات المتعاقبة اختارت، في نظر كثير من أبناء المنطقة، أن تقف موقف المتفرج على هذا الواقع المر، بينما تغوص الطرق في الوحل، وتتضاعف معاناة القرى، وكأن أوجاع الناس تقع خارج دائرة الاهتمام.
    وما أقسى أن يكون العلاج قريبًا، والأدوات حاضرة، والحاجة ماثلة، ثم تبقى المسافة بين الألم والحل رهينة غياب المبادرة.
    ولعل أكثر ما يوجع القلب أن تنظر إلى نساء تلك القرى، وهن يخرجن مع تباشير الصباح، يحملن على أكتافهن أثقال الحياة قبل أن تحملها سواعدهن. يعملن بالأجر اليومي في إزالة الحشائش تحت لهب الشمس الحارق، يمضين ساعات النهار بين الغبار والهجير، ثم يعدن عند المساء مكللات بالتعب، لا تحمل أياديهن إلا فتات الأجر، ولا تحمل قلوبهن إلا بقية من الصبر وسراب العشم.
    تعود تلك الأمهات إلى بيوتهن وقد تركت الشمس على وجوههن وشم الكفاح، وفي أيديهن آثار العمل، وفي الأرواح حكايات لا يسمعها إلا الله. فهن لا يعملن ترفًا، وإنما يصارعن الحياة من أجل لقمة تسند أطفالًا ينتظرون خلف الأبواب، ومن أجل بيوتٍ لا تعرف من رفاه العيش إلا اسمه.
    وكان ذلك كله قبل أن تحل بالبلاد هذه الحرب اللعينة، فتضاعف الوجع، وتثقل كاهل الناس بما لا يحتملون. فقد قدمت هذه الأرض من أبنائها شهداء ارتقوا دفاعًا عن الوطن، وتركوا خلفهم أسرًا تتجرع مرارة الفقد، وأمهات يخبئن الدموع خلف صبرهن، وأطفالًا أجبرتهم الأيام على أن يكبروا قبل أوانهم.
    كما ذاق أهل هذه القرى مرارة النزوح، وفقد كثير منهم البيوت والزرع والمال، وهم يقفون في وجه محنٍ متتابعة، وكان الأمل أن تجد هذه الأسر، وخاصة أسر الشهداء، من هذه المؤسسة الوطنية وقفة وفاء تليق بعظمة التضحيات.
    ثم جاءت ظروف الحرب، فتوقف المصنع، وتوقفت عجلة الإنتاج، واتجهت الإدارة إلى تأجير بعض الأراضي التابعة للمشروع، وهو أمر قد تكون له دوافعه الاقتصادية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
    لكن السؤال الذي ظل يطرق أبواب الذاكرة، ويجري على ألسنة الناس:
    أين نصيب هذه المنطقة من تلك العوائد؟
    أين أثرها في الطرق التي تختنق بالطين، وفي القرى التي تبحث عن أبسط الخدمات، وفي الأسر التي أنهكها الفقد والنزوح؟
    إن أهل المنطقة لا ينظرون إلى هذه الموارد بعين الطمع، ولا يطالبون بما ليس لهم، وإنما يتطلعون إلى شراكة عادلة، وإلى أثرٍ يرونه رأي العين، وإلى تنمية تخرج من دفاتر الحسابات إلى حياة الناس.
    فليس المطلوب من المؤسسات الكبرى أن تحمل وحدها كل أعباء التنمية، ولكن من حق المجتمع الذي احتضنها، ومنحها الأرض والإنسان، أن يرى ظلها ممتدًا، وأن يشعر أن هذه المنشأة التي قامت بين ظهرانيه ليست جسمًا غريبًا، وإنما جزء من نسيجه الاجتماعي والإنساني.
    إن المؤسسات العظيمة لا تُقاس فقط بما تنتجه، وإنما بما تتركه خلفها من أثر. فهناك منشآت تملأ المخازن بالمنتجات، وهناك مؤسسات تملأ ذاكرة الناس بالوفاء.
    ونحن لا نكتب هذه الكلمات خصومةً مع مصنع سكر سنار، ولا انتقاصًا من دوره الوطني، وإنما نكتبها لأننا نؤمن أن العلاقة بين المؤسسة ومحيطها يجب أن تكون علاقة شراكة ورحمة ووفاء.
    فمصنع سكر سنار يمكن أن يكون نعمةً عظيمة حين تمتد خيراته إلى أهله، وحين تصبح مداخنه قناديل تنير الطريق، لا مجرد سحبٍ من دخان تتبدد في فضاء بعيد.
    فيا من يحملون أمانة القرار…
    إن القرى لا تطلب المستحيل، ولا تنتظر المعجزات، وإنما تطلب حقها في أن ترى بعض الخير الذي خرج من أرضها يعود إليها.
    فالأرض التي منحت المصنع جذوره، تستحق أن يمنحها المصنع بعض ظلاله.
    وما بين مداخن الإنتاج وأنين القرى… يبقى التاريخ وحده
    يحكي للاجيال اضمحلال الامال واتساع رقعة الحسرة
    قطـــــــــرات مداد
    وٱخر قطره خليت القوافي تجيبا
    مدادنا وروحنا للارض الحبيبه ضريبه
    المصنع متل شاةً وجيبه ربيبه
    علوقنا بتاكلو بطرانه وتمصو حليبا
    🪶 وللمداد بقية ان شاء الله