مشروع الرهد الزراعي…عندما كان المهندس السوداني يبني التنمية

  • بتاريخ : 3 يوليو، 2026 - 1:44 م
  • الزيارات : 38
  • بقلم / م م الامام عبداللطيف الامام

    مشروع الرهد الزراعي لم يكن مجرد مشروع للإنتاج الزراعي. بل هو أيقونة كأحد أعظم الشواهد على نضج الهندسة السودانية واقتدارها في مطلع السبعينيات، حين قاد المهندس السوداني أكبر المشروعات القومية بعلمٍ راسخ، وخبرة ميدانية متراكمة، وإحساس عالٍ بالمسؤولية المهنية.

    لمن لم يعاصر تلك المرحلة: الرهد لم يكن شبكة قنوات تنقل الماء للحقول فقط. كان منظومة هندسية متكاملة شاركت في تنفيذها كل التخصصا ت الهندسة ، الري، والمدنية، والميكانيكية، والمساحة،، وإدارة المشروعات. وأُنجز هذا العمل الضخم في زمنٍ لم يعرف الحاسوب ولا برامج التصميم والتحليل التي يعتمد عليها المهندسون اليوم.

    *الأرقام وحدها تشهد:*
    المشروع يروي نحو *353 ألف فدان،* بمساحة شاسعة اعتمدت على نظام ري صُمم بعناية فائقة لضمان استدامة الإمداد المائي واستقرار الدورة الزراعية على مدار العام.

    تبدأ المنظومة بالترعة الرئيسية التي تنقل المياه من منطقة مينا، *بطول 81 كيلومتراً* حتى الكيلو 11 حيث تبدأ شبكة التوزيع داخل المشروع. ويبلغ الطول الكلي للترعة الرئيسية *125 كيلومتراً* ، تتفرع منها شبكة ترع وقنوات تصريف بطول 1470 كيلومتراً، تنتشر عليها المعابر والكباري والمنشآت المائية.

    المحافظة على الانحدارات التصميمية والمناسيب الدقيقة عبر هذه المسافات، مع اختلاف طبيعة التربة والظروف الجيولوجية، كانت مهمة بالغة التعقيد حتى بمعايير اليوم.

    *عبقرية التصميم: مصدران للماء، رؤية واحدة*
    بُني المشروع على نظام ري متكامل يجمع بين مصدرين: في الخريف، عندما تفيض مناسيب نهر الرهد، يتم الري انسيابياً عبر النهر وخزان أبو رخم، استثماراً للطبيعة وتقليلاً لتكاليف التشغيل. وبعد انحسار الفيضان، تتولى محطة الطلمبات العملاقة رفع المياه من النيل الأزرق، فتستمر الدورة الزراعية دون انقطاع.

    هذا التكامل بين الري الانسيابي والري بالضخ يعكس رؤية هندسية بعيدة المدى هدفت لتحقيق الأمن المائي واستقرار الإنتاج طوال العام. وصُممت الترعة الرئيسية بطاقة استيعابية 8.5 مليون متر مكعب، وهو رقم يكشف دقة الدراسات الهيدروليكية التي سبقت التنفيذ، حتى وإن كانت ظروف التشغيل الحالية لا تستفيد إلا من جزء من تلك الطاقة.

    *رجال صنعوا التاريخ بالخرسانة*
    من أبرز المنشآت: سايفون نهر الدندر، نموذج متميز في هندسة المنشآت المائية نُفذ بأيدٍ سودانية خالصة. عند اكتماله حضر وزير الري آنذاك، *الباشمهندس صغيرون الزين صغيرون*، لمتابعة الاختبارات النهائية بنفسه. ويُروى أنه نزل إلى داخل السايفون أثناء الاختبار، وبعد أن إطمأن لجودة التنفيذ ودقة العمل، أشاد بالمهندسين وأصدر توجيهاته ببدء ضخ المياه. لم تكن لحظة تشغيل فحسب، بل شهادة رسمية بكفاءة المهندس السوداني وقدرته على تنفيذ أعقد المشروعات.

    ولا يقل أهمية *خزان أبو رخم، الذي نفذه المهندس والمقاول السوداني سيد عبدالله السيد* في وقتٍ كانت فيه إقامة مثل هذه المنشآت تتطلب مستوى رفيعاً من الكفاءة العلمية والخبرة التنفيذية. إنجازه كان شاهداً آخر على قدرة الكفاءات الوطنية على تنفيذ منشآت مائية كبرى بكفاءة واقتدار.

    *مدرسة الميدان لا المكاتب*
    ما ميّز ذلك الجيل أنهم لم يديرون المشروعات من خلف المكاتب. عاشوا في المواقع شهوراً وسنوات، وسط حرارة الصيف وأمطار الخريف، يراقبون الحفريات، ويضبطون المناسيب، ويشرفون على أعمال البيارات وتركيب المضخات وأعمال الخرسانة لذلك ارتبطت أسماؤهم بالمنشآت: *كبري عمر إبليس* وغيره. لم يكن ذلك تكريماً اجتماعياً بقدر ما كان اعترافاً بالمسؤولية المهنية. المنشأة كانت شهادة كفاءة لصاحبها، وسمعته تُبنى على جودة ما أنجز، لا على عدد المناصب.

    وكان التعاون مع بيوت الخبرة الأجنبية شراكة مهنية لا تبعية. الاستشاري يضع التصاميم العامة، والمهندس السوداني يحوّل الرسومات إلى واقع، ويعالج التحديات الميدانية، ويكيّف الحلول مع طبيعة البيئة السودانية. وهي مهام لا تصنعها الكتب وحدها، بل تصقلها الخبرة والممارسة.

    *الخرسانة لا تجامل أحداً*
    من الظلم أن تُقاس قيمة ذلك الجيل بعدد البرامج التي استخدمها أو بالأكواد الحديثة. الهندسة ليست برامج حاسوب فحسب، بل عقل يحلل، وخبرة تتراكم، وحدس هندسي يتشكل عبر سنوات طويلة في مواقع التنفيذ.

    وما بقي قائماً من منشآت الرهد بعد أكثر من نصف قرن هو الدليل الأبلغ على جودة التصميم والتنفيذ. الخرسانة لا تجامل أحداً. المنشآت لا تصمد كل هذه العقود إلا إذا أُسست على قواعد علمية سليمة، ونُفذت بإخلاص وإتقان. كان ذلك الجيل يؤمن أن شرف المهندس لا يُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يبقى قائماً على الأرض بعد عشرات السنين.

    رحم الله من رحل من أولئك الرواد، وأطال في أعمار من بقي. لم يشيدوا قنوات وخزانات فحسب، بل *شيدوا ثقة أمة في قدرات أبنائها*، وأرسوا دعائم مدرسة هندسية سودانية أصبحت نموذجاً للكفاءة والانضباط والإخلاص.

    مشروع الرهد لم يكن مشروعاً للري والزراعة فقط، بل كان مشروعاً لبناء الإنسان، وإثبات قدرة الكفاءات الوطنية على تحويل الرؤية إلى واقع. وسيظل شاهداً حياً على مرحلةٍ كان فيها المهندس السوداني يبني التنمية، ويكتب بجهده وإخلاصه واحدةً من أنصع صفحات تاريخ السودان الحديث.

    *وإن توثيق هذه التجارب ليس وفاءً لأولئك الرواد فحسب، بل واجب وطني تجاه الأجيال القادمة. فالأمم التي تحفظ تاريخ رجالها وإنجازاتهم هي الأقدر على استلهام الماضي وصناعة المستقبل.*