غرفة عمليات الأمن الاقتصادي الرقمي .. حين تصبح العقول درعاً للسيادة

  • بتاريخ : 5 يوليو، 2026 - 5:24 م
  • الزيارات : 33
  • بقلم /سمير سيد عثمان

    هناك معارك لا يُسمع فيها صوت الرصاص ،، لكنها قد تُسقط اقتصاد دولة بأكملها ..

    اليوم لم تعد الحروب تستهدف الحدود فقط ،، بل تستهدف الثقة ..
    والثقة تبدأ من جيب المواطن ،، ومن حسابه المصرفي ،، ومن قدرته على تحويل أمواله وهو مطمئن أن الدولة ترى ،، وتراقب ،، وتحمي ..

    لقد دخل السودان عصر التحول الرقمي ،، وأصبح المحول الوطني والأنظمة المصرفية الإلكترونية جزءاً من الحياة اليومية ..

    وهذه خطوة تستحق الإشادة والدعم ،، لأنها تمثل الطريق الصحيح نحو اقتصاد حديث أكثر شفافية وكفاءة ..

    لكن كل مشروع وطني ناجح يحتاج إلى منظومة تحميه ،، وتغلق منافذ العبث به ..

    وهنا تبرز الحاجة إلى إنشاء غرفة عمليات الأمن الاقتصادي السوداني الرقمي ..

    لا نتحدث عن إدارة جديدة تضاف إلى هيكل الدولة ،، وإنما عن مركز وطني للعقول والخبرات ،، يعمل على مدار الساعة ،، يراقب حركة الأموال ،، ويحلل البيانات ،، ويرصد الأنماط غير الطبيعية ،، ويكشف محاولات استغلال الثغرات قبل أن تتحول إلى خطر يهدد الاقتصاد والأمن القومي ..

    إن الدول التي سبقتنا في التحول الرقمي لم تكتفِ ببناء أنظمة الدفع الإلكتروني ،، بل بنت إلى جانبها غرفاً للمتابعة والتحليل والاستجابة السريعة ..
    لأنها أدركت أن حماية الاقتصاد تبدأ من حماية حركة الأموال ،، وأن الأمن الاقتصادي أصبح وجهاً آخر للأمن الوطني ..

    والسؤال الذي يطرحه البعض .. هل يملك السودان القدرة على إنشاء مثل هذه المنظومة؟

    الإجابة ليست مجرد (نعم) … بل (نعم بثقة) ..

    لأن السودان لم يكن يوماً فقيراً في العقول ..

    في جامعاته ،، وفي مصارفه ،، وفي شركاته التقنية ،، وفي مؤسساته الوطنية ،، بل وحتى بين خبرائه المنتشرين في أنحاء العالم ،، توجد كفاءات سودانية يشار إليها بالبنان في أمن المعلومات ،، و البرمجيات ،، والذكاء الاصطناعي ،، وتحليل البيانات ،، والأنظمة المصرفية ،، والأمن السيبراني ..

    هذه الكفاءات لم تفقد قدرتها على العطاء ،، وإنما تنتظر مشروعاً وطنياً يستثمر علمها ،، ويمنحها الثقة لتقود مرحلة جديدة من حماية الاقتصاد ..

    ولهذا فإن إنشاء غرفة عمليات الأمن الاقتصادي الرقمي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مشروعاً تقنياً ،، بل باعتباره إعلاناً بأن السودان يثق في أبنائه ،، ويؤمن بأن حماية اقتصاده يجب أن تُبنى بسواعد وخبرات سودانية ..

    إن ربط هذه الغرفة بالمحول الوطني ،، لتتابع حركة المعاملات لحظة بلحظة ،، وترفع تقاريرها إلى الجهات العليا ،، سيحول البيانات إلى أداة لاتخاذ القرار ،، ويجعل اكتشاف المخاطر سابقاً لوقوعها ،، بدلاً من الاكتفاء بردود الأفعال بعد حدوث الضرر ..

    ومن هنا فإن المواطن يجب أن يسمع رسالة واضحة من الدولة :

    لسنا نطلب منكم العودة إلى المصارف لأننا نريد زيادة الأرقام ،، وإنما لأننا نعمل على بناء منظومة تحمي أموالكم ،، وتحافظ على استقرار الاقتصاد ،، وتضمن أن تكون كل معاملة مالية جزءاً من اقتصاد وطني قوي وآمن ..

    عندما يشعر المواطن بأن هناك جهة وطنية محترفة تراقب وتحلل وتحمي ،، ستعود الثقة تدريجياً إلى القطاع المصرفي ،، وسيصبح التعامل عبر المحول الوطني هو الخيار الطبيعي ،، لا لأنه مفروض ،، بل لأنه الأكثر أمناً وموثوقية ..

    إن الثقة لا تُفرض بالقوانين وحدها ،، بل تُبنى بالمؤسسات ..

    ولهذا فإن إصدار التشريعات التي تجرّم التحويلات خارج المحول الوطني متى ما أصبحت تهديداً للاقتصاد ،، يجب أن يتزامن مع بناء مؤسسة قادرة على الرصد والتحليل والاستجابة ..

    فالقانون وحده لا يكفي إذا لم يكن وراءه نظام ذكي يكتشف المخاطر ويمنعها قبل أن تتوسع ..

    اليوم يقف السودان أمام فرصة حقيقية ،، ليس فقط لسد ثغرة ،، وإنما لبناء نموذج وطني متكامل في الأمن الاقتصادي الرقمي ..

    نموذج يؤكد أن الدولة لا تكتفي بحماية حدودها ،، بل تحمي أيضاً اقتصادها ،، ومدخرات مواطنيها ،، وثقتهم في مؤسساتهم ..

    ويبقى الرهان الأكبر على الإنسان السوداني ..

    ففي كل أزمة مرت بها البلاد ،، كانت الكفاءات الوطنية هي أول من ينهض لإيجاد الحلول ،، وهي اليوم قادرة على أن تكتب فصلاً جديداً في حماية الاقتصاد ،، إذا وجدت القرار الذي يجمعها ،، والإرادة التي تدعمها ..

    إن الدول لا تنتظر حتى تتحول الثغرات إلى أزمات ،، بل تبادر ببناء مؤسسات قادرة على اكتشاف المخاطر قبل وقوعها ..

    ومن هذا المنطلق ،، فإن إنشاء غرفة عمليات الأمن الاقتصادي السوداني الرقمي يمثل استحقاقاً وطنياً يواكب التحول الرقمي ويحمي الاقتصاد من التهديدات المستجدة ..

    فالأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد ،، وإنما بما تملكه من عقول ..

    والسودان مهما اشتدت عليه الظروف ،، ما زال غنياً بعقول أبنائه ..

    وهذه هي الثروة التي لا يجوز أن تبقى خارج معادلة القرار ..

    فحين تمتلك الدولة القدرة على حماية حركة أموالها ،، فإنها تكون قد وضعت أحد أهم أسس حماية سيادتها ..

    وغرفة عمليات الأمن الاقتصادي السوداني الرقمي ليست مجرد مؤسسة جديدة ،، بل هي رسالة بأن السودان يملك من العقول والخبرات ما يؤهله لأن يحرس اقتصاده بنفس الكفاءة التي يحرس بها حدوده .

    سمير سيد عثمان
    الأحد 5 يوليو 2026م