بقلم/ نشوة أحمد الطيب
عجبي من هذه البلاد القوية وهي في أشد أزماتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، لم تبخل على إخوتنا من دول الجوار متسولي الأرباح الرقمية من ريتش الصفحات والمشاركات واللايكات واللايفات لم تبخل على صحفيي وإعلاميي هذه الدول بمحتواها الثري.
صحفيون لا وجود لهم في قضايا بلدانهم وكأن دولهم تعيش الرفاهية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بمثالية لذلك تخصصوا في الشأن السوداني وطرحوا وقدموا أنفسهم للعالم تحت هذا التعريف.
ابحثوا عن هؤلاء الصحفيين بالتحديد لن تجدوا لهم وجودًا في قضايا بلدانهم الملحة نبذهم مجتمعهم بل لم يتعرف عليهم ولم يجدوا حظهم في كتابة سوءات بلدانهم وفسادها وجرائمها التي لا تخفى على أحد بل وكل ما فيها من بشاعة، فمنهم عرفنا مقدرة النساء والأطفال على تقطيع أهاليهم بمنشار كهربائي وهذا أقل ما نسمع ونشاهد.
ولأن قوانين هذه الدول لا تسمح للصحفيين أن يتحدثوا عما يدور في دهاليز دولهم الجميلة معماريًا والمتسولة اجتماعيًا توجهوا إلى هذا البلد الجريح السودان.
الذي يتحدث عنه من يسوى ومن لا يسوى كذلك تحت غطاء التضامن والإنسانية والشفقة، تمكن هؤلاء المتسلقون من اصطياد المصادر السودانية من المسؤولين في كافة مستويات الحكم، وكذلك في الجانب الاجتماعي، اصطادوا محدودي التفكير ممن يعانون من عقدة اللون الأبيض والشعر (الأملس السائب) الذي استنطق المعلومات من أفواههم دون صعوبة.
والعجيب أكثر أن هؤلاء الصحفيين يتحصلون على المعلومات بسهولة عالية في وقت تشدد فيه علينا مصادر حكومتنا كصحفيين سودانيين الخناق في طرق الحصول على المعلومات. نستجدي ونتسول شهورا للحصول على التصريحات، يقرؤون رسائلنا ثم يتجاهلونها.
والمفارقة أن الصحفي السوداني وهو الأقرب إلى الحدث والأكثر معرفة بتفاصيله وسياقاته يظل الأكثر معاناة في الوصول إلى المعلومة بينما يجدها غيره في وقت وجيز، وهذه ليست شكوى مهنية وقتية مِنا بل خلل ينبغي أن تتوقف عنده المؤسسات الرسمية طويلًا فغياب الشفافية لا يضر الصحفي وحده وإنما يفتح المجال أمام الآخرين لاحتكار السردية وصناعة الرواية وتصديرها إلى العالم من زوايا قد لا تعكس الحقيقة كاملة.
في المقابل نجح صحفيو هذه الدول المجاورة وعبر سيرة السودان، في الحصول على الجوائز العينية والمالية والاعتبارية وغيرها، تخصصوا في إخراج سوءات بلادنا فقط ينقلون فظائعها وبشاعتها وحربها فقط إلى العالم.
وليست المشكلة في أن يهتم إعلامي عربي أو أجنبي بالشأن السوداني فهذا حق تكفله المهنة بل المشكلة حين يتحول هذا الاهتمام إلى استثمار دائم في المآسي فلا يُرى السودان إلا من نافذة الحرب ولا يُستدعى اسمه إلا مقرونًا بالمجاعة أو النزوح أو الموت، وكأن هذا الوطن لم يعرف تاريخًا ولا علمًا ولا ثقافة و لا اقتصاد ضخم قاد البلاد لهذه الحرب الوجودية و لهذه المؤامرات الخارجية ، ولا إنسانًا يستحق أن تُروى قصته كما هي بكل وجوهها، لا بوجهها الأكثر إيلاما فقط.
وأما الشواذ أخلاقيا منهم من المؤثرين، فيتداولون السودان بأفواه قذرة يخرج منها حديث له رائحة نتنة موجه إلى هذا الشعب الصابر الصامد رغم الجراح ورغم كل شيء بشع يمكن أن يُكتب ،ونحن نسمع ونقول عفوًا، دولكم فتحت الأبواب لأهلنا واستقبلتهم ، عذرًا دولكم آوت أهلنا وحمتهم ،عفوًا، عذرًا، وهكذا، فامتطوا صبرنا واحترامنا مطية.
الآن السودان وقضايا السودانيين مصدر دخل لهم جميعا، مصدر دخل لجميع هؤلاء المتسولين رقمياً، كل من لم يجد حق الإفطار خرج في لايف يشتم فيه السودانيين، فتنهال عليه المساعدات الشخصية والأرباح الرقمية.
لن نأسف لأننا محترمون، ولا نرد عليكم بنفس السوء (المياعة و الشناعة و الفظاعة) وأما أشباهكم من بعض الشخصيات السودانية العامة والمؤثرين على الطبقة التي نزع الله بركته من عقولها فهؤلاء سواقط مجتمعنا السوداني وسيئات بلادنا للأسف هم لاجئون لديكم ولا وقت لهم في الرد عليكم بنفس الأسلوب و لن يستطيعوا وهم في أنفسهم من فتحوا الأفواه القذرة أمامنا في الداخل.
ولن نندم على اختيار الأدب مع كل هجمات سوء الأدب من قبلكم إخوتنا في دول الجوار .
نحن قوم نعرف قدر أنفسنا جيدًا وبلادنا كذلك حتى وإن روّج لها الفاجرون من مجتمعها ومن مسؤوليها، ومن ساستها، ومن مؤثريها، بالصورة التي تتحدثون بها عنها نحن كرام رغماً عنكم وعن هذه الأيام.
ورسالتي لهؤلاء الصحفيين والإعلاميين الذين لا وجود لهم في مجتمعاتهم ولا في قضايا دولهم: (ستنتهي حرب السودان ويعود الأمن وتشهد بلادنا مسيرة إعمار، ويعود من لديكم جميعهم الأخيار والأحرار، وسنترك لكم فقط الفجار لأن في سوداننا الجديد سنسعى إلى أن تكون هناك قوانين تُجرِّم الفظاعة الأخلاقية وجرائمها النكراء ويغدو إعلامنا إعلامًا تنمويًا يتحدث عن الإعمار و التنمية حينها لن تكون لكم وظائف لأن أقلامكم لم تكتب ولن تكتب في غير السودان.
وسيظل السودان مهما تعاظمت محنه أكبر من أن تختزله مقاطع قصيرة أو بثوث مباشرة أو محتوى يبحث عن الأرباح والمشاهدات ،فالأوطان لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا تُكتب سيرتها بمنطق “الترند”، وإنما يصنع تاريخها أهلها وتبقى الحقيقة أبقى من الضجيج، وأقوى من كل رواية مؤقتة.
وسيأتي اليوم الذي لا تكون فيه أخبار السودان مادة للاستهلاك بل قصة نهوض تُدرس وتجربة صمود يُستشهد بها وإعلام وطني قادر على رواية حكاية وطنه بنفسه دون حاجة إلى من يتحدث باسمه أو يختزل واقعه ،فالسودان الذي عرف كيف يصمد في وجه المحن سيعرف كذلك كيف ينهض منها و ان طال انتظارنا وكيف يسترد صوته، ويعيد كتابة صورته أمام العالم بأقلام أبنائه لا بأقلام المتاجرين بآلامه.
نشوة أحمد الطيب صحفية سودانية و افتخر بهذا البلد القوي العصي العظيم











إرسال تعليق