سعر الصرف بين الكلي والقطاعي.. عندما تتحد السياسات لإنقاذ العملة

  • بتاريخ : 24 يونيو، 2026 - 8:35 م
  • الزيارات : 61
  • بقلم: ا.د. محمد عبد القادر ابوقصيصة

    في زمن تتأرجح فيه العملات كأوراق الشجر في عاصفة، يظل سعر الصرف أكثر من مجرد رقم؛ إنه اختبار حقيقي لمدى تكامل السياسات الاقتصادية الكلية مع السياسات القطاعية. فاستقرار العملة ليس هبة تنزل من السماء، بل نتاج رؤية موحدة تربط بين السياسة النقدية والمالية، وبين تنظيم قطاعات بعينها لا تقل تأثيراً عن أسعار الفائدة والضرائب.
    السياسات الكلية.. الإطار الحاكم للمشهد على المستوى الكلي، يظل التنسيق بين السياسة النقدية (التي تتحكم في عرض النقود وأسعار الفائدة) والسياسة المالية (التي ترسم خريطة الإنفاق والضرائب) هو العمود الفقري لأي استقرار. فلا جدوى من تشديد نقدي إذا استمر العجز المالي في التوسع، ولا فائدة من وعود إصلاحية إذا ظلت معدلات التضخم تأكل قيمة العملة من الداخل. هنا، حيث تلتقي أدوات السياسة الكلية، تُصنع الثقة أو تُدفن.
    السياسات القطاعية.. حيث يُصنع التوازن الحقيقي
    ولكن ما إن ننزل من السقف الكلي إلى أرض الواقع القطاعي، حتى نجد قطاعات محورية أقرب إلى الشرايين منها إلى الخلايا:
    قطاعا الذهب والبترول: وهنا تتجسد السياسات القطاعية في رقابة مشددة تمنع تسرّب عوائدهما إلى السوق الموازية، وفي تحفيز للتصنيع المحلي بدلاً من تصدير الخام. إنها سياسات تضع كل قطاع في موقعه، لتتحول هذه السلع من مصدر للضغط على العملة إلى رافعة حقيقية لاستقرارها.
    قطاع تجارة الحدود: وهنا تتجلى السياسات القطاعية في أطر جمركية وتنظيمية واضحة، تحوّل هذا النشاط المهمل غالباً من شق في جدار الاقتصاد إلى نافذة مشروعة للتبادل التجاري المنضبط.
    القطاع غير الرسمي: وهنا تتجلى السياسات القطاعية في حوافز تجذب الأنشطة الخفية إلى دائرة الرسمية، وفي تشجيع الصادرات لضمان عودة العائدات النقدية عبر القنوات الشرعية.
    إجمالا، .. ليس اختياراً بين الكلي والقطاعي، بل تكامل حتمي حيث إن المعادلة النهائية التي يفرضها واقع الحال هي:
    استقرار العملة = سياسات اقتصاديه كلية متوازنة (نقدية + مالية) + سياسات اقتصاديه قطاعية رشيقة (رقابية + تحفيزية + تنظيمية).
    هذه ليست رفاهية نظرية، بل ضرورة عملية تمتحن فيها قدرة الدولة على إدارة أدواتها الكلية دون إغفال تفاصيلها القطاعية. وعندما تنجح هذه السياسات في التكاتف، ينتصر سعر الصرف، وتُكتب فصول جديدة من الثقة تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد كله.