حول تعقيب  أستاذنا المستشار  الطيب شيقوق 

  • بتاريخ : 30 يونيو، 2026 - 10:42 ص
  • الزيارات : 31
  • بقلم/ د. حيدر معتصم

    “مدير مركز الخرطوم للحوار”

    بدءا  أسعد جداً بهذه المداخلة القيمة و المهمة من استاذنا و عمنا العزيز و القانوني الضليع الطيب شيقوق و ما خطه قلمه الرفيع ليس مجرد إعتراض، بل هو إعتراض قانوني من داخل المدرسة الدستورية العريقة، بينما مقالي ينطلق من مدرسة تأسيس الدولة. ولذلك فالحوار بيننا ليس حول القيمة الفلسفية للدستور، وإنما حول طبيعة المشكلة السودانية.
    بقراءة متأنية لمداخلة أستاذنا الطيب سنجد أنه يحمل نقاط قوة، لكنه يفترض افتراضًا جوهريًا قد يكون محل نقاش.

    *أولاً: أين أصاب..؟*
    أصاب في عدة نقاط مهمة:
    1-أن الدستور ليس مجرد نص قانوني، بل يمكن أن يكون أداة لبناء الثقة.
    2- احترام الدستور أهم من مجرد كتابته.
    3-الانقلابات وتعطيل المؤسسات كانت سببًا رئيسيًا في الأزمة السودانية.
    4- إنتظار إجماع كامل قد يؤدي إلى شلل سياسي.
    هذه نقاط قوية تعبر عن قلم خبير و يصعب الاعتراض عليها و تستحق التأمل و التأمين عليها بدأً.

    *ثانيا :أين يقع جوهر* *الاختلاف..؟*
    هنا تبدأ المسألة الفلسفية.
    أستاذنا العزيز شيقوق ينطلق من فرضية تقول:
    توجد دولة… فلنكتب لها دستورًا.
    بينما تنطلق رؤيتي من فرضية مختلفة تمامًا:
    المشكلة أن الدولة نفسها لم تتأسس بعد.
    وهذا فرق هائل.
    فإذا كانت الدولة موجودة بالفعل، فمن الطبيعي أن يصبح الدستور هو الإطار الأعلى.
    أما إذا كانت المشكلة هي فشل تأسيس الدولة أصلاً، فإن السؤال يصبح:
    من أين سيستمد هذا الدستور شرعيته؟
    وهنا يظهر مفهوم العقد الاجتماعي، لا بوصفه وثيقة فلسفية بالضرورة، وإنما اتفاقًا تأسيسيًا سابقًا على النص الدستوري.

    *ثالثًا:* هنا أعتقد أن ما تفضلت به أستاذي العزيز يحتاج إلى مزيد من التوضيح.
    لأن عبارة:
    “العقد الاجتماعي يسبق الدستور”
    قد يفهمها القارئ القانوني على أنك تطالب بوثيقة مستقلة اسمها “العقد الاجتماعي”، ثم بعد سنوات يأتي الدستور.
    بينما من خلال حواراتنا الطويلة مع قانونيين أفهم أنك لا تقصد ذلك.
    بل تقصد أن:
    لا يجوز أن نكتب دستورًا قبل الاتفاق على الأسئلة المؤسسة للدولة.
    مثل:
    ما هي الدولة؟
    من هو الشعب؟
    ما هي المرجعية الوطنية؟
    كيف تُدار السلطة؟
    ما الذي لا يجوز للأغلبية تغييره؟
    ما هي هوية الدولة الجامعة؟
    هذه هي عندك “العقد الاجتماعي”.
    بعد الاتفاق عليها، يأتي الدستور ليحولها إلى قواعد قانونية.
    إذن الخلاف هنا ليس زمنيًا بقدر ما هو منطقي.

    *رابعًا:* وهنا أظن أن ردك يمكن أن يكون أكثر قوة إذا نقلت النقاش من “الترتيب الزمني” إلى “الترتيب المنطقي”.
    بدلاً من القول:
    العقد الاجتماعي يسبق الدستور.
    يمكن أن تقول:
    الدستور لا يستطيع أن يخلق العقد الاجتماعي من العدم، بل يحتاج إلى حد أدنى من الاتفاق التأسيسي الذي يستمد منه شرعيته.
    فهذه صياغة أدق، وتقلل مساحة سوء الفهم.

    *خامسًا:* هناك سؤال أظن أنه يكشف جوهر الإختلاف كله.
    لو سمح لي به أستاذ الطيب و هو :
    إذا كان الدستور هو الذي يصنع العقد الاجتماعي، فمن الذي يمنح الدستور نفسه شرعيته الأولى.. ؟
    هل هي:
    القوة العسكرية.. ؟
    الأغلبية السياسية المؤقتة.. ؟
    الجمعية التأسيسية.. ؟
    أم الشعب.. ؟
    فإذا كانت الإجابة هي “الشعب”، فإن السؤال التالي يصبح:
    وكيف عبّر الشعب عن إرادته قبل كتابة الدستور؟
    وهنا نعود مرة أخرى إلى فكرة التوافق التأسيسي أو العقد الاجتماعي، مهما اختلفنا في تسميته.

    *الخلاصة :*
    في تقديري، لا أرى أن أستاذنا العزيز شيقوق هدم فكرتي، وإنما ناقشها من زاوية مختلفة. ولو أعدت صياغة أطروحتي بعبارة مثل:
    “العقد الاجتماعي ليس وثيقة تنافس الدستور، بل هو الإطار التأسيسي الذي يمنح الدستور معناه وشرعيته.”
    فأعتقد أن مساحة الاتفاق بيننا ستصبح أكبر، وسيتضح أن الخلاف الحقيقي ليس حول قيمة الدستور، وإنما حول سؤال أسبق:
    هل أزمة السودان أزمة دستور، أم أزمة تأسيس دولة؟
    وهذا السؤال، في تقديري هو، النقطة التي ما زالت تحتاج إلى حسم في النقاش؛ لأنه يحدد المسار كله. فإذا كانت الأزمة أزمة تطبيق دستور، فحجة الأستاذ شيقوق تكتسب قوة كبيرة. أما إذا كانت الأزمة أزمة تأسيس الدولة نفسها، فإن الحاجة إلى اتفاق تأسيسي سابق على النص الدستوري تصبح أكثر إقناعًا. ومن هنا يمكن أن يتحول الحوار من جدل حول الأسبقية إلى نقاش أعمق حول طبيعة الأزمة السودانية ذاتها.. *ختاما:* تحياتي و مودتي لك أستاذنا الغالي و التحية لأستاذنا و صديقنا الإعلامي اللامع أحمد يوسف التاي الذي أتاح لنا هذا الفضاء الرقمي عبر موقعه المميز لنكتب و نتعلم…حيدر