بقلم / دكتور الزبير حمزة الزبير
يعتبر المال العام أحد أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة فهو الوسيلة التي يتم بها تمويل الخدمات العامة والمشروعات التنموية ويستخدم لتحقيق مصالح المجتمع وتلبية احتياجات المواطنين في مختلف المجالات مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن والخدمات الاجتماعية ولهذا السبب أولت التشريعات والقوانين في مختلف دول العالم عناية خاصة بحماية المال العام من كل أشكال الاعتداء باعتباره ملكاً للمجتمع بأسره وليس لفرد أو جهة معينة وهو ما أكدته العديد من الأنظمة الجزائية ومنها ما نصت عليه التشريعات الوطنية في جرائم الاعتداء على المال العام مثل نظام مكافحة الرشوة ونظام مكافحة جرائم التزوير إضافة إلى النصوص العقابية التي تجرم الاختلاس والتبديد بوصفهما من صور الفساد المالي والإداري ومن أخطر الجرائم التي تهدد هذا المجتمع جريمتا اختلاس المال العام وتبديد المال العام لما لهما من آثار سلبية تمتد إلى الاقتصاد الوطني والثقة بالمؤسسات العامة ومستوى التنمية والاستقرار
ويقصد باختلاس المال العام قيام الموظف العام أو من في حكمه بالاستيلاء على الأموال أو الممتلكات التي عهدت إليه بحكم وظيفته بقصد تملكها أو التصرف فيها لتحقيق منفعة شخصية أو منفعة للغير بصورة غير مشروعة وهو ما جرمته صراحة العديد من التشريعات الجزائية التي شددت العقوبة على الموظف العام الذي يختلس ما في عهدته من أموال عامة أو أوراق أو ممتلكات ويتميز الاختلاس بأنه ينطوي على نية واضحة للاستيلاء على المال وتحويله من ملكية الدولة أو الجهة العامة إلى منفعة خاصة وهو ما يجعله من أخطر صور الفساد الإداري والمالي لأنه يقوم على استغلال الثقة التي منحت للموظف بحكم منصبه أو مسؤولياته الوظيفية وقد اعتبرت الأنظمة الجزائية ذلك ظرفاً مشدداً للعقوبة وغالباً ما يرتبط الاختلاس بإخفاء المستندات أو تزوير البيانات أو التلاعب بالحسابات المالية من أجل إخفاء الجريمة وتأخير اكتشافها وهي أفعال مجرمه كذلك بموجب أنظمة مكافحة التزوير والجرائم المعلوماتية في العديد من الدول
أما تبديد المال العام فيختلف عن الاختلاس من حيث طبيعته القانونية والسلوكية إذ يتمثل في التصرف في الأموال العامة بطريقة تؤدي إلى ضياعها أو إهدارها أو استخدامها علي نحو يخالف الأنظمة والتعليمات سواء كان ذلك بسبب الإهمال الجسيم أو سوء الإدارة أو إساءة استعمال السلطة أو الإنفاق غير المبرر وهو ما تناولته الأنظمة المالية ولوائح الرقابة على المال العام التي تحمل الموظف المسؤولية التأديبية والجزائية عند الإخلال بواجبات المحافظة على المال العام وقد لا يكون الهدف من التبديد تحقيق منفعة شخصية مباشرة وإنما يكفي أن يؤدي التصرف إلى الإضرار بالمال العام أو فقدانه أو إنفاقه في غير الأغراض التي خُصص لها وهو ما يندرج ضمن صور الإضرار العمدي أو الإهمال الجسيم المعاقب عليه نظاماً ولذلك فإن التبديد يعد اعتداءً على الموارد العامة حتى وإن لم يثبت انتقال المال إلى ذمة الجاني
ويكمن الفرق الجوهري بين الجريمتين في أن الاختلاس يقوم على الاستيلاء على المال العام بقصد تملكه أو الانتفاع به بصورة شخصية بينما يقوم التبديد على إهدار المال أو التصرف فيه بطريقة غير مشروعة تؤدي إلى ضياعه أو إلحاق الضرر به سواء تحقق للجاني نفع شخصي أم لم يتحقق ومع ذلك فإن كلا الجريمتين تشتركان في النتيجة المتمثلة في الإضرار بالمصلحة العامة وإهدار الموارد التي كان من الممكن استثمارها في تحسين حياة المواطنين وتطوير الخدمات العامة وهو ما شددت عليه الأنظمة الجزائية التي قررت عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية ومصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة
وتترتب على جرائم الاعتداء على المال العام آثار اقتصادية واجتماعية وإدارية خطيرة، فهي تؤدي إلى استنزاف موارد الدولة وتعطيل تنفيذ المشروعات التنموية وزيادة الأعباء المالية على الميزانية العامة كما تؤثر في مستوى الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة وتضعف كفاءة الأجهزة الحكومية وتحد من قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية وقد يمتد أثر هذه الجرائم إلى تقليل الاستثمارات المحلية والأجنبية نتيجة تراجع مستويات الشفافية والنزاهة مما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة وهو ما تسعى الأنظمة الحديثة لمكافحته من خلال تعزيز الحوكمة والرقابة المالية
ولهذا تحرص الدول على وضع أنظمة رقابية صارمة لحماية المال العام من خلال تعزيز دور الأجهزة الرقابية وتطبيق مبادئ الشفافية والمساءلة وإجراء المراجعات المالية الدورية وتفعيل أنظمة الرقابة الداخلية وتشجيع الإبلاغ عن حالات الفساد إضافة إلى فرض عقوبات رادعة على مرتكبي جرائم الاختلاس والتبديد بما يتناسب مع جسامة الأفعال المرتكبة وفقاً لما تقرره الأنظمة الجزائية ذات الصلة كما تعد التوعية بأهمية المحافظة على المال العام وترسيخ قيم الأمانة والنزاهة والمسؤولية الوظيفية من الوسائل الأساسية للوقاية من هذه الجرائم والحد من انتشارها
إن حماية المال العام ليست مسؤولية الجهات الرقابية وحدها بل هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع أفراد المجتمع، بدءاً من الموظف العام الذي يجب أن يؤدي واجباته بأمانة وإخلاص وفقاً لما تفرضه الأنظمة الوظيفية ولوائح السلوك الوظيفي وصولاً إلى المواطن الذي يحرص على المحافظة على الممتلكات العامة والإبلاغ عن أي ممارسات تضر بها فكل اعتداء على المال العام يمثل اعتداءاً على حقوق المجتمع بأكمله ويؤثر في حاضر الدولة ومستقبلها ويعرقل مسيرة التنمية والتقدم. ومن ثم فإن ترسيخ ثقافة النزاهة والالتزام بالقانون وتعزيز قيم المسؤولية والمساءلة يظل من أهم السبل لضمان الحفاظ على المال العام وتحقيق التنمية المستدامة وخدمة الصالح العام











إرسال تعليق