بقلم/ بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
ليست كل الإنجازات الوطنية تحتاج إلى قرارات كبرى أو مشروعات ضخمة. فهناك أشياء تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا في بناء الأوطان وتوحيد الشعوب. ومن هذه الأشياء سياسات التعليم والتشغيل التي انتهجها السودان في سنوات مضت، والتي أسهمت في صهر أبناء الوطن في بوتقة واحدة، وأضعفت نزعات الجهوية والعرقية والمناطقية.
وأصدق القول أن انتمائي للسودان الكبير لم يكن مجرد شعور ورثته، بل تجربة عشتها بكل تفاصيلها. فقد ساقني القدر طالبًا إلى مدرسة خور طقت الثانوية العريقة في كردفان، وهناك اكتشفت السودان الحقيقي؛ السودان الذي يتسع للجميع، بثقافاته ولهجاته وعاداته وتقاليده.
في خور طقت، لم نكن نسأل بعضنا: من أي قبيلة أنت؟ أو من أي جهة جئت؟ كنا نعرف بعضنا بأسمائنا وأخلاقنا، ونتنافس في الدراسة والرياضة والأنشطة، ونتقاسم الطعام والفرح والحنين إلى الأهل. وهناك تعلمت أن الوطن ليس حدودًا جغرافية، بل هو علاقات إنسانية ومشاعر وانتماء.
ومن شدة اندماجي في المجتمع الكردفاني، أصبحت كردفاني الهوى في فهم عادات الشعوب وثقافتهم وحتي وصل ذلك الي التشبع بالغناء الكردفاني والحب الكبير للمردوم. ولم يقتصر ذلك على صداقاتي، بل انعكس على سلوكي وطريقة حديثي واهتماماتي، حتى كان قريبي، رحمه الله، يمازح اهلي في المجموعه بعد ان لاحظ ذلك بقوله انني: “بحراوي متكردف”، في إشارة إلى أنني وُلدت في بحر أبيض، لكن سنواتي في كردفان جعلت وجداني كردفانيًا بقدر ما هو بحراني.
واليوم، كلما استرجعت تلك الذكريات، أدركت أن ذلك لم يكن مصادفة، بل كان نتيجة رؤية تربوية واعية. فقد كان المخططون للتعليم يدركون أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة لتدريس المناهج، وإنما وسيلة لبناء الإنسان السوداني، وتعزيز الانتماء للوطن الكبير. لذلك كانوا يحرصون على جمع الطلاب من مختلف الأقاليم في مدارس داخلية، ليعيشوا معًا ويتعرفوا إلى ثقافات بعضهم البعض، فتذوب الفوارق، وتتكون صداقات تمتد لعقود.
ولم يقتصر الأمر على التعليم، بل كانت سياسات التوظيف أيضًا تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، إذ ينتقل الموظف والمعلم والطبيب والمهندس للعمل في أقاليم مختلفة، فيتعرف إلى أهلها، ويصبح جزءًا من نسيجها الاجتماعي وربما تقودة الاقدار الى الزواج منهم. وهكذا كانت الدولة، من حيث تدري أو لا تدري، تبني جسورا من المحبة والثقة بين السودانيين.
ربما لم تكن تلك السياسات مثالية، لكنها نجحت في تحقيق هدف كبير: بناء وجدان وطني يرى في تنوع السودان مصدر قوة لا سببًا للفرقة والشتات.
واليوم، وبعد ما أصاب بلادنا من انقسامات وصراعات، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة تلك الروح. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوانين وحدها، بل تُبنى بالتعليم، وبالاختلاط الإنساني، وبالعدالة في الفرص، وبإتاحة المجال لأبناء السودان كي يعرف بعضهم بعضًا.
إنها أشياء تبدو بسيطة، لكنها كانت تصنع وطنًا. وما أحوج السودان اليوم إلى أن يستلهم تلك التجارب، لأن ما يجمع القلوب أقوى بكثير مما تفرقه العنصرية والجهوية، ولأن الوطن لا يبنيه إلا أبناؤه عندما يؤمنون أن تنوعهم هو سر جماله وقوته، لا سبب ضعفه.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم











إرسال تعليق