دولة القانون || د. عبد العظيم حسن -المحامي
لم يكن الجدل حول المحكمة الدستورية في السودان مقتصراً على اختيار قضاتها، وإنما سبق ذلك خلافٌ أعمق حول جدوى إنشائها من الأساس. فالسؤال الذي ظل مطروحاً منذ صدور دستور 1998 هو: هل كان السودان بحاجة إلى محكمة دستورية مستقلة، أم كان الأجدر الإبقاء على اختصاص المحكمة العليا بالفصل في المنازعات الدستورية عبر إحدى دوائرها كما استقر عليه القضاء السوداني لعقود؟ والرأي الذي نرجحه، ويؤيده عدد معتبر من فقهاء القانون الدستوري، أن إنشاء المحكمة الدستورية جاء متعجلاً، ولم يكن بمنأى عن الاعتبارات السياسية شأنها شأن نظام النيابة العامة، وما لازمها من عدم إعداد بناء تشريعي وإداري ومالي يكفل استقلال المؤسستين. إن بناء المنظومات العدلية لا يتم بإصدار القرارات، وإنما بتوفير الضمانات التي تصون استقلالها، لأن القضاء الذي يحمي الحقوق والحريات لا يحتمل الارتجال ولا يخضع لحسابات السياسة.
يأتي قرار مجلس السيادة بإكمال تشكيل المحكمة الدستورية، بعد أن سبق تعيين الدكتور وهبي محمد مختار رئيساً لها، والأولوية في هذه المرحلة لم تكن تشكيل محكمة دستورية، وإنما إطلاق عملية سياسية جادة تفضي إلى توافق وطني شامل، يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية مستقلة ومقبولة من غالبية الأطراف. فالمحكمة الدستورية ليست مؤسسة عادية، بل هي المرجع الأعلى في حماية الدستور وضبط السلطات، ولا تكتسب هيبتها من أسماء قضاتها، وإنما من سلامة الإطار الدستوري الذي تعمل في ظله.
غير أن الإشكال الأخطر يظل كامناً في دستورية المحكمة نفسها. فإذا كانت قد أُنشئت بموجب وثيقة دستورية معطوبة تعرضت لانتقادات واسعة وشابها خلل في المشروعية والتوافق، فإن مشروعية المحكمة ستظل محل تساؤل، وستنعكس تلك الشبهة على أحكامها وقراراتها. وبدلاً من أن تكون المحكمة صمام أمان للنظام الدستوري، قد تجد نفسها طرفاً في نزاعات حول أصل وجودها ومصدر سلطاتها. إن إصلاح العدالة الدستورية لا يبدأ بمسائل إجرائية وإنما بالتدابير الموضوعية كإقامة أساس دستوري يحظى بإجماع وطني، ولو متدرج. الثابت أن القضاء الدستوري لا يستطيع أن يحرس دستوراً مختلفاً على شرعيته، ولا أن يعالج أزمة دستورية هو نفسه أحد إفرازاتها.
د. عبد العظيم حسن
المحامي- الخرطوم
11 يوليو 2026











إرسال تعليق