المركزي يراهن على المصارف لاستعادة سوق النقد من قبضة السوق الموازي

  • بتاريخ : 29 يونيو، 2026 - 6:21 ص
  • الزيارات : 37
  • بقلم / الامام عبد اللطيف الامام

    توجيه بنك السودان المركزي للمصارف بتسريع إجراءات تمويل عمليات الاستيراد، وإلزامها برفع كشوفات يومية بطلبات العملاء من النقد الأجنبي، خطوة تتجاوز التنظيم الإجرائي. فهي محاولة جادة لاستعادة الاعتبار للجهاز المصرفي كقناة رئيسة لتوفير النقد الأجنبي، بعد أن تراجع دوره لصالح السوق الموازي الذي تمدد وملأ الفراغ خلال سنوات الأزمة.

    *القرار أبعد من تسريع التمويل*. فالهدف الاستراتيجي هو بناء قاعدة بيانات مركزية تكشف الحجم الحقيقي للطلب على العملات الأجنبية، وتميز بين الطلب الحقيقي المرتبط بالاستيراد والإنتاج، والطلب الذي تحركه المضاربة. ومن خلال هذه البيانات يمكن توجيه الموارد المحدودة نحو أولويات الاقتصاد، كالدواء والقمح والوقود ومدخلات الإنتاج التي تعيد تشغيل المصانع وتحفز النشاط الاقتصادي.

    *لماذا يهرب المستورد إلى السوق الموازي؟*

    ببساطة، الزمن هو العملة الأغلى. فعندما يستغرق التمويل المصرفي ستين يوماً، بينما تتراكم على البضاعة في الميناء رسوم الأرضيات بالدولار يوماً بعد يوم، يصبح السوق الموازي، رغم ارتفاع سعره، أقل تكلفة من الانتظار. فالمستورد لا يشتري الدولار فقط، بل يشتري الزمن. ولذلك فإن تقليص فترة التمويل قد يسحب شريحة معتبرة من الطلب على السوق الموازي، لكن بشرط أساسي، وهو أن يجد المستورد الدولار متوفراً في البنك، لا مجرد وعد بالصرف في وقت لاحق.

    وهنا مربط الفرس. فالسوق الموازي لم ينشأ بسبب بطء الإجراءات المصرفية وحده، وإلا لكان حل المشكلة مجرد تعميم إداري. إنما هو نتيجة فجوة هيكلية مزمنة بين عرض محدود من النقد الأجنبي وطلب متزايد عليه. فقد تراجعت حصائل الصادرات، وتحولت نسبة كبيرة من تحويلات المغتربين إلى القنوات غير الرسمية التي تمنح أسعاراً أعلى، فأصبح السوق الموازي هو الذي يملأ الفراغ الذي عجزت السوق الرسمية عن تغطيته.

    غير أن القضية تتجاوز سوق النقد نفسه. فاختلالات سعر الصرف ليست مشكلة نقدية معزولة يمكن علاجها بإجراءات مصرفية فقط، وإنما هي انعكاس مباشر لحالة الاقتصاد الكلي. فعندما يتراجع الإنتاج، وتنخفض الصادرات، ويتسع العجز المالي، وتضعف الثقة في المؤسسات الاقتصادية، يصبح الضغط على سوق النقد نتيجة طبيعية لهذه الاختلالات. ولذلك فإن أي معالجة تقتصر على جانب واحد، دون تنسيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية والإنتاجية، ستظل محدودة الأثر مهما كانت جودة تنفيذها.

    *نجاح الرهان يتوقف على خمسة أضلاع تتجاوز سلطة التوجيهات:*

    1- *توفير المورد أولاً:*
    لا يمكن تنظيم توزيع ماء غير موجود. الأولوية هي زيادة حصائل الصادرات، خاصة الذهب والثروة الحيوانية والقطاع الزراعي، واستعادة تحويلات ملايين المغتربين عبر الجهاز المصرفي.

    2- *ترميم الثقة:*
    فقد المواطن الثقة في الجهاز المصرفي بعد قيود السحب وتدهور قيمة العملة. واستعادتها تتطلب أن يطمئن العميل إلى أن أمواله، بما فيها النقد الأجنبي، ستكون متاحة عند الحاجة دون قيود أو تأخير.

    3- *سعر صرف واقعي:*
    طالما بقيت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي كبيرة، سيظل الأخير أكثر جاذبية. المطلوب سياسة لسعر الصرف تقلص هذه الفجوة وتحاصر المضاربة، بدلاً من أن تمنحها مساحة أوسع.

    4- *مراجعة سياسة التحرير:*
    إذا كانت سياسة تحرير سعر الصرف قد أسهمت في اتساع الفجوة بين السوق الرسمية والموازية، وأضعفت قدرة الجهاز المصرفي على استقطاب الموارد، فإن إعادة النظر فيها أصبحت ضرورة، بما يحقق استقراراً أكبر لسوق النقد ويعيد للمصارف دورها الطبيعي في تمويل التجارة الخارجية.

    5- *إنشاء إدارة للرقابة على النقد الأجنبي ببنك السودان:*
    وجود إدارة متخصصة للرقابة على النقد الأجنبي، تتولى متابعة استخدام الموارد، ورصد التدفقات، وضبط الالتزام بالسياسات، وبناء قاعدة بيانات دقيقة عن الطلب الحقيقي، سيعزز كفاءة إدارة الموارد المحدودة، ويحد من التسرب والمضاربات.

    إن بنك السودان المركزي يخوض اليوم معركة استعادة سوق النقد عبر بوابة المصارف، لكنها ليست معركة مصرفية فقط، بل معركة اقتصاد كامل. فالتعاميم قد تحسن الإجراءات، لكنها لا تنتج صادرات، ولا توفر احتياطيات من النقد الأجنبي، ولا تعيد الثقة بمفردها. لذلك فإن نجاح هذا الرهان يتطلب إصلاحاً اقتصادياً متكاملاً ينسق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية والإنتاجية، ويعيد بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية ومستدامة.

    *السوق الموازي لا تهزمه الأوامر الإدارية، وإنما يهزمه البديل الكفء. يهزمه إقتصاد ينتج ويصدر، وجهاز مصرفي يثق فيه الناس، وسياسات متناسقة تعالج جذور الأزمة لا أعراضها. عندها فقط يصبح المسار الرسمي هو الخيار الأسرع، والأكثر أمناً، والأقل تكلفة،*
    *وهذا هو الرهان الحقيقي، والامتحان الأصعب أمام بنك السودان المركزي*