الصيرفة الإسلامية في السودان: إخفاق التطبيق أم قصور النموذج؟ قراءة في الأسباب الحقيقية لتعثرها.

  • بتاريخ : 12 يوليو، 2026 - 9:21 م
  • الزيارات : 146
  • بقلم/بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    “محافظ بنك السودان السابق”

    تناول الباحث في الاقتصاد السياسي والخبير المصرفي والمالي الأستاذ عمر سيد أحمد، في مقال بعنوان: “الصيرفة الإسلامية في السودان بين الإلغاء القسري للمصرفية التقليدية وتوظيف القطاع المصرفي سياسيا”، موضوعًا غير مسبوق، قدم فيه قراءة نقدية لتجربة الصيرفة الإسلامية في السودان.

    ويرى أن التحول المفاجىء نحو الصيرفه الاسلاميه في السودان لم يكن مجرد تغيير في أدوات التمويل، بل قرارا بإلغاء المصرفية التقليدية وفرض نموذج واحد، بخلاف معظم الدول الإسلامية التي اعتمدت التعايش بين النظامين الإسلامي والتقليدي.

    ويخلص المقال إلى أن غياب المنافسة، إلى جانب عوامل سياسية ومؤسسية واقتصادية، أدى إلى هيمنة المرابحة قصيرة الأجل، وتراجع صيغ التمويل التنموي، وضعف الشمول المالي والتمويل الأصغر، مما حد من مساهمة القطاع المصرفي في التنمية. ويؤكد الكاتب أن إصلاح القطاع المصرفي يتطلب تبني نظام مصرفي تنافسي يتيح التعايش بين الصيرفة الإسلامية والتقليدية، بحيث يكون معيار النجاح هو تحقيق التنمية والشمول المالي ودعم الإنتاج، لا الاقتصار على الشكل العقدي للمعاملات.

    لا شك أن مقال الأستاذ عمر سيد أحمد يثير قضية مهمة تستحق النقاش، ويتضمن العديد من الحقائق والتحليلات التي تسهم في تقييم تجربة الصيرفة الإسلامية في السودان. وأتفق معه في أن التجربة لم تحقق الأهداف التنموية والمجتمعيه التي كانت مأمولة، إذ هيمنت صيغة المرابحة قصيرة الأجل على النشاط المصرفي، بينما تراجعت صيغ المشاركة والمضاربة والإجارة والاستصناع التي تمثل جوهر فلسفة الصيرفة الإسلامية القائمة على تقاسم المخاطر والعوائد. كما أتفق معه في أن ضعف إدارة المخاطر، والبيئة المؤسسية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وضعف الابتكار، كلها عوامل أسهمت في هذا الانحراف عن الأهداف التنموية. وينطبق الأمر ذاته على التمويل المرتبط بالشمول المالي، حيث لم تتمكن المؤسسات المالية من الوصول إلى الشرائح المستهدفة من خلال صيغ المشاركة العادلة التي تعزز الإنتاج والتمكين الاقتصادي.

    غير أنني أختلف مع الكاتب في تفسيره للأسباب الجذرية لهذا الواقع. فإرجاع الإخفاق أساسا إلى إلغاء المصرفية التقليدية وغياب المنافسة بين النظامين يبدو تفسيرا هاما ولكنه غير كاف، لأن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في طبيعة النظام المصرفي، وإنما في البيئة الاقتصادية والمؤسسية التي عمل فيها وفي الطريقة التي عمل بها ومدى التزامها بمقاصها الدينية التي جاء من أجلها ومدى العمل على تطوير ادواتها في ادارة المخاطر والبحث المضني عن الحلول الابتكاريه، خاصه في صيغ التمويل. فقد واجه السودان خلال العقود الماضية تحديات استثنائية تمثلت في عدم الاستقرار السياسي، والعقوبات الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وضعف البنية القانونية، وكلها عوامل كانت ستؤثر سلبا في أداء أي نظام مصرفي، سواء كان إسلاميا أو تقليديا. كما أن نجاح أو فشل الصيرفة الإسلامية ينبغي أن يقاس بمدى الالتزام بمقاصدها الدينيه و الاقتصادية والتنموية والاجتماعيه، وليس بمجرد وجود منافسة مع المصرفية التقليدية فقط، على الرغم من عدم انكارنا لاهميه المنافسه في تحسين الجودة. فالتجارب الدولية تظهر أن بعض الدول ذات النظام المزدوج ما زالت هي الاخرى تعتمد أيضا بصورة كبيرة على المرابحة، مما يشير إلى أن المشكلة تتعلق بنوعيه الصيغ وكيفيه إدارة المخاطر والتطوير المستمر للتجربه أكثر من ارتباطها بوجود أو غياب النظام التقليدي. المشكلة ليست في وجود بيئة تنافسية فحسب بل في الاجابة على الأسئلة التالية: هل التزمت المصارف الاسلامية بأسس الشريعة فيما يتعلق بدوران رأس المال والاعتماد أساسا على الصيغ النقيضة للربا كالمشاركة والايجارة بعيدا عن المرابحة كما ذكر المقال، وهل طورت التجربة ادارة المخاطر، وهل اتجهت لتحقيق تمويل الضروريات ثم التحسيتات والكماليات، وهل طورت في اساليب عملها والتزمت بصورة كامله بالتطورات العالميه في مجال الصيرفه، وهل تماشت مع الشريعه والتوجهات العالميه في التحول نحو انسان الريف، وهل تجاوبت مع القضايا المتعلقه بتغير المناخي في تمويلاتها؟ وغيرها من الاسئله المهمه.

    إصلاح القطاع المصرفي السوداني لا يقتصر على إعادة النظر في هيكل النظام المصرفي، وإنما يتطلب تطوير البيئة التشريعية والمؤسسية، وتعزيز إدارة المخاطر، وتحفيز استخدام صيغ التمويل التشاركية، وربط التمويل بالإنتاج الحقيقي، بما يحقق التنمية والشمول المالي ويضمن للصيرفة الإسلامية دورها الاقتصادي والاجتماعي المنشود.

    بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.