نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
أطلعتُ مثل أي مواطن على مقترح الصلح ورتق النسيج الإجتماعي بين مكونات قبلية من مواطني منطقة غرب الدندر (كامراب فتلوب، الفريش، المنوفلي، عبد البنات، وحلة بلة)، والقرى المجاورة، والحق أن الاتفاق انطوى على الكثير من الأشياء الإيجابية، والتي أبرزها على الإطلاق “الصلح” نفسه والعفو والتعهد على العيش بسلام، إذا صحت النوايا..
غير أن ثمة ملاحظات جوهرية وخطيرة استوقفتني بعضها طفيف قليل الأثر، وبعضها خطير يحتاج إلى معالجة حاسمة، إذ أن ثمة ثغرات وتناقضات خطيرة ، نبهتُ لها الناظر صلاح المنصور، والمدير التنفيذي الضو يعقوب، فور اطلاعي على مقترح الصلح، ولفتُ انتباههما إلى الأخطاء اللغوية والنحوية وخطأ نحوي آخر في الآية الكريمة واتفقا معي في جهة نظري ووعدا بالمعالجة الشاملة، بل أشارا إلى أن النسخة التي وصلتني هي النسخة غير المعدلة، وأن تعديلًا جرى ، وسوف تصلني النسخة المنقحة، و لكني للأسف الشديد وبعد الإنتهاء من (مهرجان) التوقيع تفاجأت بأن ذات النسخة الرديئة المحشوة بالأخطاء النحوية واللغوية والتناقضات والثغرات، هي ذاتها التي تم التوقيع عليها، وقد أرسلت لي من عدة جهات…
(2)
كنتُ قد أيديتُ ملاحظاتي من منطلق حرصي على إستدامة الصلح والتعايش بين أهلنا في المنطقة، ومن باب سد الثغرات لتمتين جدار الصلح وتحصينه من الإختراقات، وقد استحسن الناظر والمدير التنفيذي ملاحظاتي تلك ووعدا بالمراجعة والمعالجة، وكنتُ آمل بصدق أن تتم المراجعة وسد جميع الثغرات ولو بعمل ملحق يفسر المصطلحات ويغلق باب المخاوف والاحتمالات والثغرات
قبل التوقيع النهائي عليه بالخرطوم، لكن بدا لي أن ذلك لم يحدث، واتمنى أن تكون النسخ التي أرسلت إلي هي ليست النهائية.
إذا تجاوزنا الأخطاء النحوية والإملائية، في النص والآيات القرآنية، فإننا لن نستطيع تجاوز خللٍ كبيرٍ ورد بالفقرة الأساسية التي يقوم عليها مقترح الصلح، بل تمثل هذه الفقرة الخطيرة أساس الاتفاق وعموده الفقري، فإذا أصاب الخلل هذا العمود الفقري فما الذي تبقى من بنود الصلح التي احتشدت بالإشادات وتلميع الأشخاص، ومحاولات تدوير بعض القيادات السياسية الفاشلة التي أذاقت المنطقة مرارة كؤوس الفشل.
(3)
من أخطر الملاحظات التي استوقفتني في مسودة الصلح المادة الخامسة من مقترح الصلح ، حيث جاء في الفقرة رقم “2” :
(أن يكون الصلح أبيضا، دون المطالبات بالأشياء الأخرى، بمعنى أن يتم التنازل من الطرفين لما فقدوه من اموال وممتلكات، لرفع شأن الصلح، على أن يظل الحق الخاص باقيا وفقا لشهود العيان أمام المحاكم).
فمن ناحية الصياغة القانونية واللغة كان يجب أن ترد العبارة 🙁 التنازل من الطرفين (عمّا) فقدوه، وليس (لما) فقدوه ، والفرق كبير جدًا بين التعبيرين في المعنى.. فالتنازل (عن الشيء) يختلف تماما، عن التنازل ل(الشيء)..
لكن هذا ليس كل شيء في ملاحظاتي ، دعونا
نأتي لبيت القصيد في نفس الفقرة “2”
(3)
ورد في ذات الفقرة عبارة : (أن يكون الصلح أبيضا، دون المطالبات بالأشياء الأخرى)، ولمزيد من التوضيح جاءت في نفس الفقرة عبارة أخرى : (بمعنى أن يتم التنازل من الطرفين لما فقدوه من اموال وممتلكات، لرفع شأن الصلح)..
ومن هنا سيفهم أي شخص يطَّلِع على هذا البند أن الصلح (أبيض) – لا لهم ولاعليهم- وسيفهم الجميع أنه على المتصالحين الإلتزام بعدم المطالبة بالممتلكات والأموال المفقودة، وأي حق خاص لأن الممتلكات والأموال لاتخرج عن مفهوم الحق الخاص.. وتم تعزيز هذا المعنى وترسيخه في الأذهان بعبارة 🙁 لرفع شأن الصلح)، أي يأتي عدم المطالبة بالاموال والممتلكات المفقودة لتعظيم الصلح ورفع شأنه..
لكن في نفس الفقرة جاءت عبارة غامضة من شأنها أن تفتح ثغرة في الاتفاق وتنسف كل ما تم، وهي عبارة : (على أن يظل الحق الخاص باقيًا وفقا لشهود العيان أمام المحاكم)..
ومن هنا تبرز الأسئلة المشروعة: ما هو الحق الخاص المقصود في النص؟ أليست الممتلكات والأموال التي اشترط الاتفاق التنازل عنها، أليست حقًا خاصًا؟ فلماذا ألزم الاتفاق المتضررين من الطرفين بالتنازل عن الممتلكات والامول – وهي حق خاص- ثم فتح ثغرة أخرى حين اعطاهم حق التقاضي في المحاكم عن الحق الخاص ، دون تقييد، أو تحديد لهذا الحق الخاص الذي يشمل كل شيء: الاموال، الممتلكات من سيارات وأنعام ومنازل وقتل واغتصاب!!؟؟
(4)
في تقديري أن عبارة: (على أن يظل الحق الخاص باقيًا وفقًا لشهود العيان أمام المحاكم)، أربكت المشهد تمامًا، وفتحت بابا واسعا للتساؤلات وعلامات الاستفهام، فإذا كانت الفقرة منذ بدايتها أمنت على أن يكون الصلحُ ابيضًا، وليس من حق أي شخص ان يطالب بتعويض عن ممتلكات او اموال ضائعة، أو نحوه ، فلماذا عادت لجنة الصياغة لتفتح الباب أمام المطالبة بالحق الخاص وعلى نحو مفتوح دون تقييد؟؟!!، ألم تكن الممتلكات والأموال حقًا خاصًا أيضا ؟؟؟ لماذا طلبت من المتضررين التنازل عن الممتلكات والاموال الضائعة، ثم عادت لتحفيزهم على المطالبة بالحق الخاص، ولم توضح ما هو الحق الخاص المقصود؟ وإذا كانت لجنة الصلح تقصد بالحق الخاص، جرائم قتل او نحوها فلماذا لاتوضح ذلك في الاتفاق، لأن الناس بداهة يعرفون أن الحق الخاص يشمل كل ضرر خاص، من قتل ونهب وسرقة، وإضرار بممتلكات خاصة، وإلا لكان لزاما على اللجنة أن توضح أن الممتلكات الواردة في الاتفاق، المقصود بها (الممتلكات العامة) علما بأن الاتفاق ليس بين الأهالي والحكومة بل بين الأهالي، ولهذا فإن كل الممتلكات الواردة في النص خاصة، وأن كل الحقوق هنا خاصة، تخص الأهالي وحدهم
(5)
على أية حال هذه الملاحظات في تقديري في غاية الأهمية على نحو كان يستدعي المعالجة الفورية قبل توقيع الاتفاق، وإلا أن هذه الفقرة ستكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير..
والمعروف أن هذا صلح “أهلي” الصلح بين مكونات سكانية مجتمعية، لأجل رتق النسيج الاجتماعي ودعم السلم الاجتماعي بينهم، وليس بينهم والحكومة..
نواصل غدا بإذن الله لنتحدث عن البعد السياسي في هذا الاتفاق، وقبل ذلك فليكن واضحًا في الأذهان أنني مع إتفاق الصلح الذي تم بين مكونات قبلية بمنطقة الدندر ، وليس هذا فحسب بل مهدتُ الطريق لرتق النسيج الإجتماعي، ولكن هذا لايمنعني من إبداء الملاحظات والتناقضات والقاء الضوء على ثغراته، وذلك من باب الحرص عليه واستدامة السلم والأمان والاستقرار وليس تبخيس الأشياء….اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق