الرجولة الحقيقية… بين الموروث والدين .مشروع وعي الحلقة (1)

  • بتاريخ : 8 يوليو، 2026 - 3:14 م
  • الزيارات : 35
  • بقلم: نجلاء كرار
    > “هل يمكن أن يكون الخطأ واحدًا… لكن الحكم عليه يختلف لأن أحد الطرفين رجل والآخر امرأة؟”
    المقدمة
    قبل أن أبدأ، أود أن أوضح أمرًا مهمًا.
    هذا المقال ليس هجومًا على الرجال، وليس محاولة للانتقاص من مكانتهم، فالرجال فيهم الآباء الصالحون، والأزواج الأوفياء، والإخوة الذين تُرفع بهم الرؤوس، وفيهم من يخاف الله في السر والعلن.
    لكن في المقابل، هناك مفاهيم خاطئة تسللت إلى مجتمعاتنا حتى أصبح البعض يخلط بينها وبين الرجولة، وهي في الحقيقة لا تمت إلى الرجولة ولا إلى الدين بصلة.
    هدفي ليس مهاجمة الرجال، وإنما تصحيح مفهوم يضر بالرجال والنساء معًا. فعندما يُربّى الرجل على أن أخطاءه تُغتفر لأنها “من طبيعة الرجال”، وتُربّى المرأة على أنها وحدها من تدفع ثمن الخطأ، فإننا لا نظلم المرأة وحدها، بل نظلم الرجل أيضًا، لأننا نحرمه من محاسبة نفسه، ومن إدراك أن الرجولة الحقيقية تقوم على الأخلاق، والعدل، وتحمل المسؤولية.
    حديثي اليوم دعوة إلى مراجعة المفاهيم، لا إلى محاكمة الأشخاص. فالحق لا يعرف رجلًا ولا امرأة، والعدل لا يفرق بين جنس وآخر، والله سبحانه وتعالى لا يحاسب الناس على جنسهم، وإنما على أعمالهم ونياتهم.
    صلب الموضوع
    ليست كل المفاهيم التي ورثناها عن الرجولة صحيحة، وليست كل عادة شائعة أصبحت جزءًا من الدين.
    فبعض الأفكار تكررت عبر الأجيال حتى ظن الناس أنها من المسلمات، مع أنها تخالف ميزان العدل الذي أمر الله به.
    ومن أكثر هذه المفاهيم إيلامًا، أن يُنظر إلى الخطأ نفسه بعينين مختلفتين؛ عينٌ تلتمس للرجل الأعذار، وعينٌ لا ترى في المرأة إلا موضعًا للإدانة.
    قد يدخل رجل في علاقة عاطفية، ويطلب من امرأة أن تفتح له قلبها، ويؤكد لها صدق مشاعره، فتبادله الحب بصدق وثقة. لكن عندما يفكر في الارتباط بها، قد تتغير نظرته إليها، لا لأنها تغيرت، بل لأن المعيار الذي يحاكمها به تغير.
    فيبدأ في التساؤل: هل تصلح زوجة؟ كيف أحبت بهذه السهولة؟ كيف وثقت بي؟
    وينسى أن يسأل نفسه السؤال نفسه.
    إذا كانت جرأتها في التعبير عن مشاعرها تُعد في نظره نقصًا، فماذا عن جرأته هو في طلب هذا الحب؟
    وإذا كانت العلاقة خطأ، فهل كان الخطأ من طرف واحد؟
    أليس هو شريكًا كاملًا في كل ما حدث؟
    بل إن بعض الناس يمنحون أنفسهم حق التوبة، ويضيقون واسع رحمة الله على غيرهم. يطلبون المغفرة لأنفسهم، بينما يصدرون أحكامًا قاسية على الآخرين، وكأن أبواب الرحمة فُتحت لهم وحدهم.
    وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
    فالقضية ليست في وقوع الإنسان في الخطأ، فكل بني آدم خطاء، وإنما في ازدواجية المعايير؛ أن نغفر لأنفسنا ما لا نغفره لغيرنا، وأن نطالب الآخرين بما لا نطالب به أنفسنا.
    والأشد ألمًا أن بعض الرجال يمنحون المرأة وعودًا، ويزرعون في قلبها الثقة والأمل، ثم عندما يحين وقت تحمل المسؤولية، يتراجعون ويتركونها تواجه الألم وحدها، وربما يحملونها وحدها مسؤولية ما حدث، وكأنهم لم يكونوا جزءًا من القصة منذ بدايتها.
    وهذه ليست رجولة.
    فالرجولة ليست في كثرة العلاقات، ولا في القدرة على إصدار الأحكام على النساء، ولا في الهروب من المسؤولية.

    الرجولة الحقيقية هي الصدق، والوفاء، واحترام المرأة، والاعتراف بالخطأ، وتحمل نتائجه، وخشية الله في السر والعلن.
    لقد جعل الله ميزان الحلال والحرام واحدًا للجميع، وجعل باب التوبة مفتوحًا للجميع، وجعل الحساب على الجميع.
    فلا الرجل يُعفى لأنه رجل، ولا المرأة تُدان لأنها امرأة.
    فالتقوى لا تُقاس بالنوع، وإنما بالعمل، والعدل لا يتغير باختلاف الجنس.
    الخاتمة:
    لسنا بحاجة إلى تغيير ديننا، بل إلى تصحيح بعض المفاهيم التي ألبسناها ثوب الدين وهي ليست منه.
    لسنا بحاجة إلى أن ينتصر الرجال على النساء، أو أن تنتصر النساء على الرجال، وإنما بحاجة إلى أن ينتصر الجميع للحق.
    فالأسرة لا تقوم إلا بالعدل، والمجتمع لا يستقيم إلا بالإنصاف، والرجولة الحقيقية لا تُقاس بما يسمح به المجتمع للرجل، وإنما بما يرضي الله.
    وفي النهاية، لا أكتب هذه الكلمات لأدين رجلًا أو لأبرئ امرأة، وإنما لأذكر نفسي وإياكم بأن ميزان الله واحد، وأن رحمته وعدله يشملان الجميع.
    فإذا كنا نؤمن بأن الله هو العدل… فلماذا نصنع لأنفسنا موازين لا تشبه ميزانه؟

    نجلاء كرار