الحوار الوطني الحقيقي..شروطه وحدوده

  • بتاريخ : 7 يوليو، 2026 - 8:40 ص
  • الزيارات : 26
  • الفرق بين الحوار والتفاوض والمحاصصة
    د. حيدر معتصم مدني
    “إشراف: مركز الخرطوم للحوار”

    من أكثر المفاهيم تعرضًا للاستهلاك السياسي في السودان مفهوم:
    “الحوار الوطني”.
    حتى أصبحت الكلمة تُستخدم أحيانًا لوصف:
    التفاوض على السلطة،
    أو تقاسم النفوذ،
    أو إدارة التوازنات السياسية المؤقتة.
    وهنا ضاع المعنى الحقيقي للحوار.
    لأن الحوار الوطني ليس مجرد:
    اجتماع بين القوى السياسية،
    ولا مجرد اتفاق على تشكيل حكومة،
    ولا مجرد تسوية بين أطراف الصراع.
    بل هو عملية أعمق بكثير تتعلق بـ:
    بناء المرجعية الوطنية المشتركة التي تجعل السياسة نفسها ممكنة.
    ولهذا فإن من أكبر أخطاء التجربة السودانية الخلط المستمر بين:
    الحوار…
    والتفاوض…
    والمحاصصة.
    رغم أن لكل واحد منها:
    وظيفة مختلفة،
    وطبيعة مختلفة،
    وحدودًا مختلفة.
    فالحوار الوطني الحقيقي يدور حول:
    الأسئلة التأسيسية الكبرى.
    مثل:
    ما هي الدولة؟
    وما هي المرجعية الوطنية العليا؟
    وما الذي يجب أن يبقى فوق التنافس السياسي؟
    وكيف تُدار العلاقة بين:
    الهوية،
    والسيادة،
    والمجتمع،
    والسياسة،
    والمؤسسات السيادية؟
    أي أن الحوار الحقيقي يتعلق:
    ببناء المعنى الوطني المشترك.
    أما التفاوض السياسي فهو شيء مختلف.
    لأنه يدور حول:
    إدارة المصالح،
    ووقف الصراعات،
    وتوزيع المسؤوليات،
    وبناء الترتيبات الانتقالية،
    وتنظيم التنافس داخل الدولة.
    أي أن التفاوض يتحرك:
    داخل الدولة.
    أما الحوار الوطني الحقيقي فهو يتحرك:
    حول أسس الدولة نفسها.
    وهنا يظهر الفرق الجوهري.
    لأن السودان في كثير من الأحيان كان يحاول معالجة:
    أزمات التأسيس…
    بأدوات التفاوض السياسي.
    ولهذا كانت كثير من الحوارات تنتهي إلى:
    محاصصات،
    أو اتفاقات مؤقتة،
    أو ترتيبات سلطة،
    دون الوصول إلى:
    مرجعية وطنية مستقرة.
    ومن هنا يمكن فهم لماذا تفشل كثير من التسويات سريعًا.
    لأن الأطراف قد تتفق على:
    تقاسم السلطة…
    لكنها لا تكون متفقة أصلًا على:
    معنى الدولة،
    أو حدود السياسة،
    أو المرجعية الوطنية العليا.
    وهنا تصبح الاتفاقات:
    هشة بطبيعتها.
    ومن أخطر نتائج هذا الخلط أيضًا أن مفهوم:
    “الحوار الوطني”
    فقد مصداقيته عند قطاعات واسعة من المجتمع.
    لأن الناس كثيرًا ما رأوا أن ما يُقدَّم باعتباره:
    “حوارًا”
    ليس في الحقيقة سوى:
    تفاوض بين نخب على:
    المواقع،
    والمقاعد،
    والتحالفات،
    والسلطة.
    بينما الأسئلة الكبرى المتعلقة:
    بالهوية،
    والمجتمع،
    والمرجعية،
    وظلت معلقة.
    ولهذا فإن الحوار الوطني الحقيقي لا يمكن أن يكون:
    حوار أحزاب فقط.
    بل يجب أن يكون:
    حوار مجتمع.
    أي حوار تشارك فيه:
    المؤسسات المدنية،
    والمجتمعات الأهلية،
    والنخب الفكرية،
    والمجالات الثقافية،
    والقوى الاجتماعية المختلفة.
    لأن بناء المرجعية الوطنية ليس وظيفة السياسيين وحدهم.
    بل وظيفة المجتمع كله.
    ومن هنا فإن الحوار الوطني الحقيقي لا يهدف فقط إلى:
    إيقاف الحرب،
    أو تشكيل حكومة،
    أو ترتيب المرحلة الانتقالية.
    بل يهدف إلى:
    إعادة بناء فكرة الوطن المشترك نفسها.
    أي الإجابة على السؤال:
    كيف نعيش معًا داخل دولة واحدة رغم اختلافاتنا؟
    ولهذا فإن الحوار الحقيقي يحتاج إلى:
    مرجعية وطنية،
    واعتراف متبادل،
    وإيمان بأن الوطن أكبر من الجماعات المتصارعة.
    أما حين تدخل الأطراف إلى الحوار بعقلية:
    الغلبة،
    أو الاحتكار،
    أو نزع الشرعية عن الآخرين،
    فإن الحوار يتحول إلى:
    معركة تفاوضية مؤقتة،
    لا مشروعًا لبناء الدولة.
    ومن هنا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
    طاولة تفاوض جديدة…
    بل يحتاج أيضًا إلى:
    مسار وطني أعمق يعيد بناء:
    الثقة،
    والمعنى الوطني،
    والمرجعية المشتركة.
    ولهذا فإن الفرق كبير بين:
    دولة تُدار بالمحاصصات…
    ودولة تُبنى على:
    توافق وطني حقيقي.
    فالمحاصصة قد تُنتج:
    هدنة سياسية مؤقتة.
    لكنها لا تُنتج بالضرورة:
    دولة مستقرة.
    لأن الدول لا تُبنى فقط عبر:
    تقاسم السلطة…
    بل تُبنى حين يشعر الجميع أن هناك:
    مرجعية تعلو فوق الصفقات والتحالفات المؤقتة.
    ومن هنا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط:
    كيف نتفاوض؟
    بل:
    كيف نبني وطنًا يجعل التفاوض جزءًا من إدارة الدولة…
    لا بديلًا عن تأسيسها؟
    لأن الحوار الحقيقي لا يبدأ من:
    المقاعد…
    بل يبدأ من:
    المعنى.
    وحين يغيب المعنى الوطني المشترك…
    تتحول السياسة إلى:
    سوق مفتوح للمساومات المؤقتة.
    أما حين تنجح المجتمعات في بناء:
    مرجعية وطنية مستقرة،
    فإن السياسة تصبح:
    أداة لتنظيم الاختلاف…
    لا معركة دائمة على تعريف الوطن نفسه.