التطبيق المتعسف سبق المعيار.. تعقيب ثالث على معالي البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم

  • بتاريخ : 15 يوليو، 2026 - 7:48 م
  • الزيارات : 105
  • بقلم / عمر سيد أحمد
    باحث في الاقتصاد السياسي السوداني
    خبير مصرفي ومالي مستقل
    Email: o.sidahmed09@gmail.com

     

    هذه المداخلة الجديدة من معالي البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم تستحق تدقيقاً تاريخياً دقيقاً قبل الحكم عليها، وقد دفعني هذا التدقيق إلى نتيجة تُعزز موقفي الأصلي بدلاً من أن تُضعفه. فحين صدرت القرارات التأسيسية الفعلية لإلغاء المصرفية التقليدية في السودان – قوانين سبتمبر 1983 وتوجيهات بنك السودان المركزي 1984 – لم تكن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) قد تأسست بعد؛ إذ أُنشئت الهيئة في الجزائر في فبراير 1990 ولم تُسجَّل رسمياً في البحرين إلا في مارس 1991. والأهم من ذلك أن أول معيار محاسبي صدر عنها لم يظهر إلا عام 1993، بينما لم تصدر أول معاييرها الشرعية إلا عام 1998 بعد تأسيس مجلسها الشرعي. أما مجلس الخدمات المالية الإسلامية فلم يُفتتح إلا في نوفمبر 2002 ولم يبدأ عمله الفعلي إلا في مارس 2003.
    بمعنى آخر: في كل واحدة من اللحظات الثلاث المفصلية للتجربة السودانية – القرار التأسيسي 1984، إعلان “تعميق الأسلمة” 1990، وتأسيس الهيئة العليا للرقابة الشرعية 1992 – لم يكن هناك ولو معيار شرعي واحد صادر عن أيوفي يمكن الاسترشاد به، لأن هذه المعايير لم تكن قد وُلدت بعد. فحين يذكر معاليه أن المعيار “كان قائماً خارج الحدود إلا أن الاستفادة منه لم تكن بالمستوى المأمول”، فهذا وصف دقيق لِما بعد 1998، لكنه لا ينطبق على سنوات التأسيس الحاسمة التي حُسم فيها مصير التجربة إلى الأبد في فراغ مرجعي تام، لا محلي ولا دولي.
    ولا أرى في هذا مجرد تفصيل تاريخي عابر، بل هو ما يفسر جوهر الفارق بين التجربة السودانية وتجارب الدول الأخرى: فحين تبني دولة صناعتها المصرفية الإسلامية تدريجياً على مدى عقود – كما فعلت ماليزيا في ظل نظام النافذتين الذي يترك للعميل الخيار – فإنها تنمو مع نضوج الأدوات والمعايير خطوة بخطوة. أما حين تُفرض التجربة دفعة واحدة وبقرار سيادي صادر عن سلطة انقلابية علّقت العمل بالدستور وفرضت الأحكام العرفية، في بلد كان ربع سكانه تقريباً آنذاك من غير المسلمين، فإن غياب المرجعية لا يكون تقصيراً لاحقاً في الاستفادة، بل شرطاً بنيوياً ملازماً لمنطق الفرض نفسه: فالسلطة التي لا تنتظر نضوج المؤسسات الدولية لا تنتظر أيضاً نضوج مؤسساتها الداخلية.
    أما مقولة “كلنا في الهوى سواء” التي استشهد بها معاليه، فأتفق معه في أن الصناعة المصرفية الإسلامية عالمياً، حتى في نماذج النظام المزدوج، لم ترقَ إلى سقف التوقعات التي واكبت نشأتها، وأن هذا قصور مشترك يتجاوز الحالة السودانية وحدها. غير أن “الفشل النسبي المشترك” لا يعني بالضرورة “تساوي درجة الفشل”، وهنا أجدني بحاجة إلى التحفظ على الاستنتاج الذي يقترحه المثل. فالسؤال الذي يبقى قائماً تجريبياً: هل تشير المؤشرات المتاحة – نسبة صيغ المشاركة إلى إجمالي التمويل، ومستوى الشمول المالي، وتنوع المنتجات – إلى أن التجربة السودانية كانت أضعف فعلاً من متوسط أداء الأنظمة المزدوجة المقارنة؟ إن كانت الإجابة نعم كما تشير أغلب الدراسات المقارنة، فإن ذلك يُبقي لغياب المنافسة المحلية دوراً تفسيرياً إضافياً في تفسير هذا التفاوت، حتى مع التسليم الكامل بوجود قصور عالمي مشترك في الصناعة.
    وأقترح، تجنباً لتصوير النقاش كخيار بين تفسيرين متنافسين، أن نتبنى تفسيراً مركّباً من ثلاث طبقات متكاملة، لا طبقة واحدة تُقصي البقية:
    عامل صناعي عالمي مشترك: يفسر لماذا لم تحقق الصناعة المصرفية الإسلامية ككل، حتى في الأنظمة المزدوجة، طموحها التأسيسي بالكامل، وهذا ما يوضحه محقاً معالي البروفيسور.
    عامل مؤسسي-تنظيمي داخلي: ضعف إدارة المخاطر، وقصور الالتزام بمقاصد الشريعة، وتراجع الابتكار، وهي عوامل أكد عليها معاليه في مداخلته الأولى وأتفق معه فيها تماماً.
    عامل هيكلي خاص بالحالة السودانية: غياب المنافسة المحلية، لا بوصفه “السبب الوحيد” كما بدا من صياغتي الأولى، بل بوصفه عاملاً مضاعِفاً (multiplier) للقصور العالمي المشترك والداخلي معاً؛ إذ حرم التجربة حتى من الحد الأدنى من الضغط المحلي الذي كان يمكن أن يُعوّض -ولو جزئياً- عن الفراغ المرجعي الذي أوضحته أعلاه، خصوصاً في السنوات اللاحقة حين بدأت معايير أيوفي تتبلور تدريجياً بعد 1993 ولم تجد من يستثمرها محلياً بالقدر المأمول.
    وبهذا التركيب، لا يصبح السؤال “هل التجربة السودانية استثناء أم أنها كغيرها؟”، بل يصبح: “لماذا كانت الحلقة الأضعف داخل ظاهرة عالمية مشتركة؟” – والإجابة، في تقديري، تكمن في تراكب هذه الطبقات الثلاث معاً، وفي مقدمتها التوقيت القسري الذي سبق ولادة أي مرجعية يمكن الاسترشاد بها.
    وتحوّل هذا الحوار، عبر تعقيباته المتتالية، تدريجياً من مناقشة “من المسؤول عن الإخفاق؟” إلى سؤال أدق وأجدى: “كيف نبني، محلياً وعالمياً معاً، آليات إنفاذ فعلية تُترجم المعايير المتاحة إلى التزام حقيقي؟” وهذا في تقديري هو السؤال الذي ينبغي أن يقود أي مشروع إصلاح جاد للصيرفة الإسلامية، في السودان وفي غيره.