بقلم/ د. معاذ شرفي
“إختصاصي الأمراض النفسية- خبير إدارة الكوارث والحروب”
التدهور الزراعي في السودان ليس مجرد أزمة اقتصادية أو نقص في المحاصيل، بل هو زلزال يضرب عمق البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع السوداني، لا سيما أن الزراعة تمثل لقرون طويلة عصب الهوية والاستقرار الروحي والمادي للإنسان السوداني.
يمكن تلخيص هذا الأثر المتشابك في عدة أبعاد رئيسية:
## 1. الأثر النفسي على الفرد (المزارع والأسرة)
* **صدمة فقدان الهوية والدور:** المزارع السوداني لا ينظر إلى الأرض كـ “وظيفة”، بل كجزء من وجوده وإرثه. العجز عن زراعة الأرض أو فقدان الموسم يسبب صدمة نفسية حادة ترتبط بفقدان القيمة الذاتية، والشعور بالعجز (Learned Helplessness) أمام الظروف (سواء كانت نزاعات، أو شح مدخلات، أو تغير مناخي).
* **القلق المزمن والاكتئاب:** يعيش المزارعون تحت وطأة “قلق الغد” المستمر بسبب الديون المتراكمة لإعسار المواسم الزراعية، مما يرفع معدلات الاكتئاب والإحباط، وينعكس مباشرة على استقرار الصحة النفسية للأسرة بالكامل.
## 2. الأثر الاجتماعي وتحول البنية المجتمعية
* **تآكل قيم التكافل (النفير والتوية):** المنظومة الزراعية التقليدية في السودان قامت تاريخياً على قيم اجتماعية راسخة مثل **”النفير”** (العمل الجماعي التطوعي لمساعدة الجار في الحصاد أو الزراعة). مع التدهور الاقتصادي الشديد والنزوح، تحول نمط الحياة نحو “الفردانية الشديدة” والصراع من أجل البقاء الذاتي، مما أضعف شبكات الأمان الاجتماعي التقليدية.
* **النزوح القسري والترييف الحضري:** اضطرار ملايين المزارعين والرعاة إلى هجر قراهم والنزوح نحو المدن أو معسكرات الإيواء خلق صدمة ثقافية واجتماعية. هذا النزوح يؤدي إلى:
* فقدان النسيج الاجتماعي المترابط للقرية.
* العيش في بيئات حضرية هامشية تفتقر للخدمات، مما يولد شعوراً بالاغتراب والدونية.
## 3. تفاقم النزاعات والهشاشة الأمنية
* **صراع الموارد البديلة:** تاريخياً، كانت هناك آليات تقليدية لفض النزاعات بين المزارعين والرعاة (مثل الإدارة الأهلية ومسارات الرعي). التدهور الزراعي الحاد والجفاف، جنباً إلى جنب مع غياب سلطة القانون في بعض المناطق، حوّل هذه النزاعات التقليدية إلى مواجهات عنيفة مسلحة تغذيها العصبية القبلية كآلية دفاعية نفسية واجتماعية للحفاظ على البقاء.
## 4. الأثر على التركيبة الأسرية والجيل القادم
* **تغيّر الأدوار داخل الأسرة:** هجرة الآباء بحثاً عن أعمال هامشية في المدن أو في مناطق التعدين الأهلي عن الذهب تترك الأمهات في مواجهة أعباء تربوية واقتصادية هائلة بمفردهن.
* **تسرب الأطفال من التعليم:** يدفع التدهور الزراعي العائلات إلى إشراك الأطفال في سوق العمل الهامشي أو الرعي لمواجهة الفقر، مما يحرم جيلاً كاملاً من التعليم، ويفرز مظاهر إحباط مبكر لدى اليافعين، ويزيد من إمكانية استقطابهم نحو مسارات غير آمنة.> *
*خلاصة المنظور النفسي الاجتماعي:*
إن إحياء القطاع الزراعي في السودان لا ينبغي أن يُنظر إليه كمعالجة اقتصادية بحتة، بل هو أداة أساسية لإعادة بناء “السلم النفسي والاجتماعي”، وترميم الهوية السودانية التي ترتبط بالبذل، والأرض، والاستقرار.
___________________
*نبض اخير:*
لإستقرار الريف الرعوي والزراعي، والحفاظ عليه من الهجرة اللا عائد منها للمدن في المهن الهامشية،و ترييف المدن، نأمل:
_ من مجلس السيادة وحكومة الأمل حث البنوك كلها، وخاصة البنك الزراعي وبنك المزارع (البنكين الرّبويين) اللّذان يسيمون المُزَارعين سوء العذاب، وذلك بعدم إعطائهم مدخلات الزراعة كالأسمدة والتّقاوََى المتطلبه
(Required Seeds and Fertilizers)…
إلزام الجهات المختصة بالزراعة والري و الرعي الإشراف على التمويل اللازم للمزارعين، والإشراف عليه بأن لا يقوم المزارع ببيعه بثمن بخس في السوق السوداء ليشتريه مزارع آخر مضطر بأضعاف …
ثمّ لما لا يشرف البنك على نظام الشراكة في الزراعه الحصاد مناصفة…
والله وليُّ التوفيق…











إرسال تعليق